كي لاتنسى الأجيال القادمة الموسيقار المتجدد/ محمد سعد الصنعاني في ذكرى رحيله ..؟!
الإثنين - 17 أغسطس 2026 - الساعة 04:42 م بتوقيت العاصمة عدن
عدن " عدن سيتي " تقرير : الباحث والناقد الفني/ عصام خليدي
تميزت تجربة الفنان الكبير محمد سعد الصنعاني بمحاور وملامح وإشتغالات غنائية موسيقية متعددة متفردة ذات روئ وأبعاد جديدة مغايرة عن كل ماهو سائد ومألوف في الخمسينات والستينات من القرن الفارط ..
ونستطيع القول والجزم من خلال متابعتنا لما قدمه هذا الفنان من عطاء ونتاج إبداعي حافل وزاخر أصيل ومتجذر أنه من طراز وفصيلة " رواد الغناء اليمني المعاصر" الذين شيدوا ووضعوا اللبنات الأساسية التي ساهمت في تغيير أسلوب نمط الغناء اليمني من شكله التقليدي والدفع به الى الى فضاءات جديدة ومسارات إبداعية واسعة رحبة أمثال الموسيقار :
يحي مكي / أحمد قاسم/ الأساتذة : سالم بامدهف/ أسكندر ثابت/ محمد مرشدناجي/ محمد سعد عبدالله / خليل محمد خليل/ حسين فقيه/ جميل غانم/ فضل محمد اللحجي .. وغيرهم ممن رفعوا على أعناقهم مهمة تطوير وبلورة المشروع الغنائي الموسيقي الحديث في اليمن الى الأقطار العربية الشقيقة والمجاورة
في هذه التناولة المقتضبة والمؤجزة سوف نعرج بشكل مختصر ومكثف في محاولة لقراءة نقدية مباشرة سنتعرض من خلالها لأهم الملامح والخصائص الفنية "الغنائية الموسيقية" في تجربة الفنان الكبير محمد سعد الصنعاني ..
أولاً :
كان لجمال الطبيعة وسحرها الخلاب في مدينة لحج الآثر الواضح والجلي في تشكيل وتكوين ذائقته ومزاجه الفني الراقي والرفيع ، عشق وأفتتن بمحيطه وبيئته " "لحج الخضيرة" بساتينها وروابيها سهولها ووديانها حقولها ومراعيها فلها وكاذيها تشبع برائحة عبق وعفير الأرض مع هطول الأمطار وأثناء مواسم جني الحصاد وتشرب من فنون وموروث وفلكلور " وادي تبن " وبطقوس وعوالم مختلفة ومثيرة موغلة ومتجذرة في أعماق التاريخ والحضارة اليمنية نهل منها وأستفاد وتعلم الكثير من الأسرار والخفايا من مصادرها ومنابعها الأصلية ، كان غيوراً ومحباً لما قدمه الأسلاف من فنون وتراث إبداعي إنساني بالإضافة للمبدعين الذين جايلهم وعايشهم وعلى رأسهم الأمير/ أحمد فضل القمندان ، والأساتذة :
عبدالله هادي سبيت/ وصالح فقيه ..
لكن فناننا المبدع محمد سعد الصنعاني عندما قدم نفسه بنتاجاته الخاصة المستقلة للجماهير اليمنية تمرد بوعي ودراية وحنكة تنم عن روئ ومعرفة تستند على ثقافة موسيقية وأدبية شاملة لفنان وملحن وشاعر يمتلك
"موهبة إستثنائية" على مختلف المستويات والمعايير الإبداعية الفنية جعلته يتفوق على ذاته غنائياً وموسيقياً بنجاح منقطع النظير ، " بل ويؤسس مدرسة تجديدية حديثة في الغناء اليمني " ..
متجاوزاً بمشروعه الفني مدينة لحج الى عموم الوطن اليمني والجزيرة العربية والخليج العربي ..
لقد جاء الى الساحة الفنية حامل " جملة الموسيقية الجديدة المغايرة ذات التكنيك الموسيقي الغنائي الرفيع " مؤكداً قدرته وملكاته في إعادة صياغة وتشكيل ذائقة المستمع في الداخل والخارج والمتابع لتاريخ الغناء في لحج ومرجعيته قبل تجربة الصنعاني الفنية التي كانت تعتمد على حركة الإيقاع والرقصات الشعبية يشعر من الوهلة الأولى عند سماعه لأعماله الغنائية بدوره الريادي الفاعل في لحج ومدرسته الموسيقية التجديدية ومدى تأثر تلاميذه بالحانه سوى كانوا من مدينة لحج أو في عموم اليمن بشكل عام ..
ولعل من أبرز الفنانين الكبار الذين تأثروا به الأساتذة : فضل محمد اللحجي /صلاح ناصر كرد/ محمد سعد عبدالله/ محمد مرشد تاجي/ سعودي أحمد صالح/ حسن عطا .. وكثيرين أحبوه وعشقوا فنه البديع ..
جديراً بالإشارة أن أجيال مختلفة متعاقبة من الملحنين والفنانين المعروفين في الساحة الغنائية اليمنية قاموا يإستخدامات قوالبه اللحنية وجمله الموسيقية في أعمالهم وأغنياتهم من بعده بطريقة "الإقتباسات الفنية" وبإمكاننا أن ندلل ونوضح ونبين ذلك التأثير الإيحابي متى مارأينا ضرورة تستدعي ذلك ..؟!
ثانياً :
كان من أوائل الذين أنضموا الى " رابطة الموسيقى العدنية " في بداية الخمسينات من القرن الفارط ، بل وقام " بتدريس النوتة الموسيقية " والمقامات العربية والغربية المختلفة بشكل علمي ومنهاجي لكافة أعضاء ومنتسبي ذلك الكيان الإبداعي الفني الذي ضم نخبة من أبرز الفنانين اليمنيين في تلك الفترة من العصر الذهبي ، كما أنه كان يجيد بمهارة فن التعامل مع الالات النحاسية ، إضافة لمواهبه المتعددة كرسام ، ومسرحي ، ومهندس إلكتروني بارع ..
ثالثاً :
يعتبر الفنان الكبير محمد سعد صنعاني
" رائداً من رواد الغناء التجديدي الحديث في اليمن " فعند الإستماع لأعماله الغنائية الموسيقية يشعر المتلقي بإشتغالاته الجادة الجديدة المبتكرة وبذلك الجهد المضني والشاق في البحث عن خلق صياغات لحنية وقوالب موسيقية تتوافر فيها تغيير المقامات الموسيقية وتعدد الكوبليهات والمقدمات الموسيقية "المستقلة" بالإضافة للنقلات اللحنية المتنوعة والمتدفقة باذخة الصور ثرية الدلالات التعبيرية من الناحية الموسيقية في سياق أغانيه التي تحمل ذلك الجهد المبذول فنياً والتي تتجلى بإشراق ووضوح في الأغنيات التالية على سبيل المثال :
لوعتي/ اللي وعدت القلب/ يانجوم الليل /ياشاكي غرامك/ بكشفه للثام/هاتها بالله هات/ بالعيون السود/ ردد التغريد / الحلم أصبح حقيقة .. غيرها من الأغنيات الجميلة التي أرتقت بذائقة الجماهير العريضة وذاع صيتها ف الداخل والخارج بأصوات الفنانين الكبار وفي مقدمتهم الفنان المبدع رحمه الله عبدالكريم توفيق / الأساتذة : محمد عوض شاكر/ محمد رزق/ يسلم حسن صالح/ محمد بن محمد باسويد/ فضل ميزر/ فتحية الصغيرة/ أمل كعدل وغيرهم ..
رابعاً :
أستخدم " مقام الراست " الشرقي ببراعة وإقتدار مستفيداً من كل أبعاده في السلم الموسيقي في معظم الحانه على سبيل المثال في الأغاني التالية : لوعتي/ ياللي وعدت القلب/ ردد التغريد/ بالعيون السود .. كما أستخدم "مقام البيات" ووظفه توظيفاً موسيقياً رائعاً في أغنية " ياشاكي غرامك " وغيره من المقامات العربية الأخرى ..
خامساً :
عرف عن الفنان الكبير محمد سعد الصنعاني دقته وحسن إختياراته للنصوص الغنائية التي قام بتلحينها والتي تجسدت في معظمها وتحمل بمواضيعها ومضامينها الإدبية والإنسانية "قضايا متعددة" ورسائل إنسانية هامة ، يقدمها الشاعر اليه في سياق القصيدة "فيتبناها الصنعاني فنياً" ويعيد صياغتها لحناً ونغماً موسيقياً دافئاً ودافقاً مليئ بالشجن والتعبير والأحاسيس والعاطفة الجياشة التي تلامس شغاف القلوب ، أشتهر "الصنعاني" أيضاً بكتابة نصوصه الغنائية "كشاعر مجيد مقتدر" لعل من أبرز ماقدمه لجمهوره ومحبية على سبيل المثال لا الحصر :
ردد التغريد/ بكشفه للثام/ أنا مملوك لك عبدك/ عيونك تسحر العشاق/ مع النسنوس والبردة/ جاهل مهلا زين وغيرها من النصوص الشعرية ..
سادساً :
كان رحمه الله محباً متيماً بصوت الموسيقار محمد عبد الوهاب " بعبقريته الفذة قي مجال التلحين والغناء " ..
وعاشقاً شغوفاً بإستماعه ومتابعته للغناء العربي من خلال أساطينه : سيد درويش/سلامة حجازي/صالح عبد الحي/ أم كلثوم/ فريد الأطرش/ إسمهان/ ليلى مراد .. وأخرين ، كان متابعاً ومهتماً بموسيقى الشعوب وتاريخها وثقافتها وموروثها
الإنساني والإبداعي الحضاري .. "وبالسيمفونيات العالمية" ..
الموسيقار محمد سعد الصنعاني قامة فنية سامقة حفرت ووشمت في ذاكرة الغناء اليمني التجديدي والحديث في اليمن والجزيرة والخليج العربي ..
نستغرب حجم التغييب والتهميش الذي لازمه ورافقه طوال حياته وبعد مماته ربما لعدم إدراكنا لأهميته ومكانته الفنية الإبداعية العالية المرموقة وماقدمه للوطن من "فتوحات إبداعية وفنية" ..
أننا نعبث ونهدر أهم الثروات التي منحها الخالق لعباده في الأرض .
"الإنسان المبدع" ..
وبطبيعة الحال كلما كان عطاء مبدعينا "خارقاً وإستثنائيا" ..
كان حظهم ونصيبهم وافر من الجحود والنكران ..
كلمة لابد منها :
اوجهها لوزيري الثقافة والإعلام ذلك بضرورة واهمية الوقوف أمام ملاحم وإبداعات ونتاجات هذا الفنان الفكرية الغنائية الموسيقية في الغناء اليمني المعاصر والحديث بجدية لنفض الغبار من عليها بعد سنواااات الإهمال واللامبالاة وعدم الوعي والإدارك من شلة المتخلفين والمتسلقين الذين يرتعون في البلاد فساداً وجهلاً وتخلفاً في وزارتي الثقافة والإعلام ..
وإنا لمنتظرون ماأنتم فاعلون في قادم الأيام ..؟!
ختاماً :
رحل فقيد الوطن الموسيقار محمد سعد الصنعاني في تاريخ 22 / يونيو/1991م تاركاً إرثاً غنائياً موسيقياً باذخاً وثرياً بالعطاء الإبداعي النوعي والمتجدد ومخلفاً ولداً واحداً رحمه الله المهندس عبد القوي وكان يعمل في مجال الطيران إضافة لإشتغالاته في مجالات البحث والمعرفة والعلوم كما خلف ايضاً ثلاث بنات منهن الإعلامية المتألقة الأستاذة سلوى صنعاني صاحبة المواقف الوطنية والإنسانية وسيدة اليراع والكلمة الصادقة في بلاط صاحبة الجلالة وتعد من وجهة نظري الصوت المدوي المعبر عن وجدان وضمير الآمة ..
أدعو الله أن يتولى "موسيقارنا محمد سعد الصنعاني" برحمته ومغفرته ورضوانه متضرعاً اليه أن يجعل مثواه جنة الفردوس الأعلى مع الأبرار والصالحين من عباده ..