حين تفقد الرياض بوصلتها .. وتخسر حلفاءها قبل خصومها.. من يفرط في حلفائه الصادقين، لا ينبغي أن يستغرب حين لا يجد حوله سوى من ينتظرون المقابل!

الخميس - 29 أكتوبر 2026 - الساعة 01:32 ص بتوقيت العاصمة عدن

اليمن " عدن سيتي " د . حميس حمدون





حين تفقد الرياض بوصلتها .. وتخسر حلفاءها قبل خصومها!

من يفرط في حلفائه الصادقين، لا ينبغي أن يستغرب حين لا يجد حوله سوى من ينتظرون المقابل!

هنا نتحدث عن المطبخ الملكي السعودي و لجنته الخاصة بحاجة إلى إعادة تأهيل حقيقي ، انطلاقا من قراءة لتناقضات باتت واضحة في الخطاب والمواقف السعودية . لكن يبدو أن بعضهم يفضل سماع المديح على مواجهة الحقيقة ، ويعتبر النقد إساءة ، حتى حين يأتي من باب التنبيه إلى أخطاء قد تكون كلفتها أكبر من أن تحتمل.

و الأكثر إثارة للتساؤل أن أصواتا إعلامية عربية، من داخل المشهد الإعلامي نفسه، باتت تتحدث عن حالة من التيه والتوهان في تحديد الأولويات ، واضطراب في إدارة العلاقات، وتبدل في المواقف يثير أسئلة جدية حول اتجاه السياسة السعودية وإلى أين تريد أن تصل..

*المشكلة ليست في أن تغير الدول سياساتها؛ فالدول لا تدار بالعواطف، والمصالح بطبيعتها متغيرة.. المشكلة حين يتحول التغيير إلى ارتباك ، والبراغماتية إلى تقلب غير مفهوم ، والاستعلاء إلى بديل عن الحوار ، والضغط إلى وسيلة لإدارة علاقات كان يفترض أن تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام.*

هنا تبدأ الخسارة الحقيقية!
فالحليف الذي يقف معك في الأوقات الصعبة، ويتحمّل كلفة مواقفه، ليس كمن يقترب منك حين تكون المصالح مضمونة، ثم يبتعد عندما تتغير الحسابات. هناك فارق شاسع بين حليفٍ يربطه بك مشروع ومصير مشترك، وبين طرفٍ لا يرى في العلاقة إلا فرصةً للمساومة وتحقيق المكاسب.

وحين لا يميز بين الاثنين، وحين يعامل الحليف الصادق بمنطق الضغط ، بينما يُفتح الباب أمام أصحاب المصالح المتقلبة، تصبح النتيجة إضعاف الثقة اولا، وتآكل الشراكات ثانيا واتساع دائرة الشكوك اخيرا ..

*ومن يخذل حلفاءه الذين وثقوا به، قد يجد نفسه لاحقا محاطا بأطراف لا تمنحه من الولاء إلا بقدر ما تحصل منه على المقابل.*

وهنا تبرز المفارقة : إذا كان بعض الحلفاء السابقين قد شعروا بأن تضحياتهم لم تقابل بما تستحقه من تقدير فإن أطرافا أخرى قد تتعامل مع الرياض بمنطق المساومة والابتزاز السياسي ، لا بمنطق الشراكة المستقرة.. فالعلاقات التي تُبنى على المنفعة المجردة تظل رهينة لتغير المنفعة ، ولا يصح أن ينتظر منها ثبات لا توفره طبيعتها..

أما الخطاب الإعلامي، فقد أصبح بدوره جزءا من المشكلة حين تتضارب رسائله ، وتتبدل نبرة بعض منصاته تجاه الأطراف ذاتها من مرحلة إلى أخرى، دون تفسير سياسي واضح يشرح للرأي العام أسباب التحول وحدوده..

في هذه الحالة لا يعود السؤال مقتصرا على ما تريده القيادة السياسية ، بل يمتد إلى ما يفهمه المواطن والمغرد والمتابع من هذا الخطاب من الحليف؟ ومن الخصم؟ وما المعيار الذي تبنى عليه المواقف؟ وهل هناك استراتيجية واضحة تحكم التحولات أم أن الجمهور يترك ليتابع تناقضات لا يجد لها تفسيرا مقنعا؟

إن المواطن حين يرى خطابا يرفع طرفا إلى مرتبة الصديق اليوم، ثم يضعه في خانة الخصم غدا ، من حقه أن يسأل عن الأسباب والمعايير.. فالإعلام الذي لا يشرح التحولات بوضوح يترك فراغا تملؤه الشائعات والتأويلات ويزيد الفجوة بين الرسالة السياسية وفهم الجمهور لها..

والجنوب ليس استثناءً من هذه المعادلة ..
في القضية الجنوبية ، لا يمكن اختزال المسألة في حسابات عابرة أو توقع أن تتقدم المصالح السعودية تلقائيا على تطلعات الجنوبيين وحقوقهم السياسية .. فالجنوبيون الذين قدموا التضحيات وخاضوا المعارك، وتحملوا أعباء المواجهة ينظرون إلى علاقاتهم الإقليمية من زاوية مصالحهم الوطنية ومستقبل قضيتهم لا من زاوية إرضاء أي طرف..

ومن حقهم أن يسألوا بوضوح ما الذي حققته الشراكات السابقة؟؟!
وما الذي لم تحققه؟ وهل احترمت تلك الشراكات إرادة الجنوبيين وتطلعاتهم؟ وهل تقوم العلاقات المقبلة على الاعتراف المتبادل بالمصالح والحقوق أم على استمرار منطق الوصاية وفرض الشروط؟
هذه ليست دعوة إلى العداء ولا مطالبة باستبدال تبعية بأخرى ، بل تأكيد على أن الشراكة الحقيقية لا تستقيم من دون وضوح ، وأن المصالح المستدامة لا تبنى على تجاهل إرادة الشعوب أو التعامل مع تضحياتها باعتبارها أوراقا قابلة للمساومة.

إن قوة الدول لا تقاس فقط بما تملكه من أدوات ضغط ، بل أيضا بقدرتها على بناء الثقة ، وصيانة التحالفات ، واحترام الشركاء ، وتفسير التحولات بشفافية ، فالسياسة لا تدار بالكبرياء وحده وقد تنجح الضغوط في انتزاع تنازل مؤقت ، لكنها لا تضمن ولاء دائما، وقد تحقق المناورة مكسبا عاجلا ، لكنها لا تعوض بسهولة خسارة الثقة.
أما الذين يتصورون أن كل حليف يمكن استبداله ، وأن كل خلاف يمكن حسمه بفرض الإرادة ، فقد يكتشفون أن العلاقات الدولية لا تعمل بهذه البساطة ، فثمة فرق بين أن يلتزم الطرف معك لأنه مقتنع بالشراكة ، وأن يسايرك لأنه مضطر ، وأن يقترب منك لأنه ينتظر المقابل..

*والأخطر من خسارة الحلفاء أن تفقد القدرة على التمييز بين من يقف معك عن قناعة، ومن يقترب منك لحساباته الخاصة.*
لهذا فإن النقد الذي يلفت إلى اضطراب الخطاب أو تناقض المواقف لا ينبغي أن يواجه بالغضب ، بل بالإجابة عن الأسئلة التي يطرحها ، فالدول الواثقة من سياستها لا تخشى المراجعة ، والقيادات التي تدرك قيمة التحالفات تعرف أن الاعتراف بالخطأ ليس ضعفا ، وأن تصحيح المسار أقل كلفة من الإصرار على طريق تتسع فيه الخلافات وتتراجع فيه الثقة..
*فالسياسة التي تخسر الأصدقاء المخلصين، ثم تضطر إلى مساومة كل طرف على موقفه ، تحتاج إلى مراجعة أولوياتها قبل أن تبحث عن حلفاء جدد.*
وليس السؤال اليوم: كم طرفا تستطيع الرياض استمالته؟ بل .. كم طرفا تستطيع الاحتفاظ بثقته ، وعلى أي أساس وإلى متى؟؟!
ذلك هو الاختبار الحقيقي لأي سياسة تريد حماية مصالحها ، لا مجرد استعراض قوتها المادية ..

د. خميس حمدون
مواطن حضرمي في المنفى ..

متعلقات