حضرموت تقول كلمتها.. الجنوب خيارٌ لا وصاية
الجمعة - 16 يناير 2026 - الساعة 12:04 م بتوقيت العاصمة عدن
عدن سيتي-متابعات
في لحظات التحول الكبرى، لا تعود السياسة حكرًا على غرف القرار المغلقة، بل تنتقل إلى الشارع، حيث تُصاغ المواقف بلغة الجماهير، وتُقاس الشرعيات بحجم الحضور لا بعدد البيانات. من هذا المنطلق، تكتسب مليونية المكلا أهميتها الاستثنائية، ليس بوصفها فعالية جماهيرية عابرة، بل باعتبارها حدثًا سياسيًا ذا دلالات عميقة، يعبّر عن حالة وعي جنوبي متقدم، وعن تموضع حضرمي واضح داخل معادلة الصراع على التمثيل والقرار.
-الواجب الوطني من الاستدعاء إلى المبادرة
اللافت في الخطاب الشعبي المتداول قبيل المليونية، أنه لا يخاطب الناس من زاوية التكليف أو التعبئة التقليدية، بل من زاوية الواجب الذاتي. فالواجب، كما يعبّر عنه هذا الوعي، لا يُنتظر أن يُذكَّر به، لأنه نابع من الداخل، من الانتماء للأرض والهوية، ومن الإحساس بالمسؤولية تجاه التاريخ والمستقبل.
هذا التحول في الخطاب يعكس نضجًا سياسيًا مهمًا، حيث لم يعد الجنوبي يُستدعى إلى الساحات، بل يخرج إليها بدافع ذاتي، مدركًا أن كل حضور هو فعل سياسي، وكل مشاركة هي سطر في كتاب التاريخ الذي يُكتب الآن، لا لاحقًا.
-مليونية المكلا دليل حي على حيوية قضية الجنوب
من منظور تحليلي، تمثل مليونية المكلا مادة غنية للباحثين والمحللين السياسيين، لأنها تقدّم برهانًا ميدانيًا على أن قضية الجنوب لم تفقد زخمها، ولم تتحول إلى خطاب نخبوي معزول، بل ما زالت حية في وجدان الناس، وقادرة على استدعاء الجماهير حين يتطلب الأمر.
كما تؤكد هذه المليونية أن المجلس الانتقالي الجنوبي لا يستمد شرعيته من اعترافات خارجية أو ترتيبات فوقية، بل من الشارع الجنوبي نفسه، ومن ثقة الناس بمشروعه السياسي، باعتباره الأقدر على تمثيل تطلعاتهم، وحمل أمانتهم الوطنية.
-حضرموت والجنوب وحدة الهوية والمصير
أحد أهم أبعاد هذه الفعالية يتمثل في إعادة التأكيد على حقيقة طالما حاولت بعض الأطراف التشكيك فيها، وهي أن حضرموت جزء أصيل من الجنوب، تاريخًا وثقافةً وجغرافيا ومصيرًا. المسيرة ليست محاولة لطمس الخصوصية الحضرمية، بل على العكس، هي إبراز لنموذج متقدم من الوحدة في التنوع، حيث يتكامل الانتماء المحلي مع الانتماء الوطني الأوسع، دون تناقض أو صراع. فالحضارم، وهم يخرجون إلى الساحات، لا يتخلون عن هويتهم الخاصة، بل يضعونها في سياقها الطبيعي داخل الهوية الجنوبية الجامعة.
-المرأة الحضرمية شراكة كاملة في الفعل الوطني
حضور المرأة الحضرمية الجنوبية في المليونية لا يحمل بعدًا رمزيًا فقط، بل يؤكد أن المعركة الوطنية ليست حكرًا على الرجال. فالنساء، أمهات وزوجات وأخوات، يخرجن ليقلن بوضوح إن الدفاع عن الوطن والهوية مسؤولية جماعية، وإن المشاركة في صناعة المستقبل حق وواجب في آن واحد.
هذا الحضور النسوي يعكس تطورًا مهمًا في الوعي المجتمعي، ويمنح الحراك الجنوبي بعدًا أخلاقيًا وإنسانيًا أعمق.
-المليونية كإعلان دستوري شعبي
في قراءة سياسية أعمق، يمكن توصيف المليونية بأنها إعلان دستوري شعبي غير مكتوب، تعلن فيه حضرموت ومعها الجنوب رفضها لأي تمثيل مفروض، أو حلول تُصاغ بعيدًا عن إرادة الناس.
هي رسالة واضحة بأن أي مسار سياسي لا يستند إلى الإرادة الشعبية مصيره الفشل، وأن الدولة الجنوبية المنشودة لن تُبنى بالوصاية أو الالتفاف، بل بإجماع وطني حقيقي.
-قرار إسقاط عضوية البحسني
تزامن الحشد الجماهيري مع حالة غضب سياسي وشعبي واسع، على خلفية ما سُمي بقرار مجلس القيادة الرئاسي إسقاط عضوية اللواء فرج البحسني، وهو قرار أثار تساؤلات جدية حول طبيعة إدارة المرحلة الانتقالية، وحدود الشراكة داخل أعلى سلطة في الدولة. القرار، وفق القراءة القانونية والسياسية، يفتقر إلى الأسس الدستورية، ويخالف روح إعلان نقل السلطة، ويعكس نزعة إقصائية خطيرة، تهدد ما تبقى من ثقة الناس بالمسار الانتقالي.
-البحسني رجل دولة في زمن الإقصاء
اللواء فرج البحسني لم يكن عبئًا على الدولة، بل شكّل على مدى سنوات ركيزة استقرار في حضرموت، وصوت عقل في لحظات كانت تميل نحو المغامرة والفوضى. مواقفه في حماية المحافظة، ورفض جرّها إلى صراعات عبثية، وضبط النفس، وتغليب الحوار، كلها مواقف دولة لا تُجرَّم، بل يُفترض أن تُحترم.
استهدافه، بذريعة صحية واهية، يكشف أن القرار سياسي مُعدّ سلفًا، وأن الهدف هو تصفية موقف وطني مستقل، لا معالجة وضع إداري أو صحي.
-تفريغ مجلس القيادة مسار خطير
إقصاء الأصوات المستقلة، وتفريغ مجلس القيادة من توازنه التوافقي، يحوّله من إطار شراكة إلى أداة هيمنة، ومن مساحة توافق إلى ساحة تصفية حسابات. وهذا المسار لا يهدد أشخاصًا بعينهم، بل يهدد فكرة الدولة ذاتها. فالدولة لا تُبنى بالإقصاء، ولا تُدار بالقرارات الأحادية، بل بالشراكة، واحترام التعدد، والاحتكام للقانون.
-المليونية كمعركة وعي
كل مشارك في مليونية المكلا هو، في جوهر الأمر، جندي في معركة الوعي. معركة لإثبات الحق في تقرير المصير، وشرعية الممثلين، وعدالة قضية شعب الجنوب. وهي معركة لا تقل أهمية عن أي مواجهة أخرى، لأنها تحدد شكل المستقبل، وطبيعة الدولة القادمة.
-رسالة إلى الداخل والخارج
المليونية تحمل رسائل متعددة الاتجاهات: للداخل الجنوبي أن وحدة الصف ضرورة لا خيار، وأن الخلافات تُدار بالحوار لا بالإقصاء. وللقوى المتربصة أن حضرموت ليست ساحة فراغ، وأن إرادة أبنائها أقوى من كل المناورات. وتتلخص الرسالة للمجتمعين الإقليمي والدولي أن هناك شعبًا حيًا، يعرف ماذا يريد، ويختار ممثليه بوضوح.
-كلمة الفصل للشعب
تؤكد مليونية حضرموت حقيقة راسخة: الشعوب لا تُهزم بالخدمات، ولا تُخضع بالأزمات. الهدف واضح، والمطلب لا لبس فيه استعادة دولة الجنوب العربي كاملة السيادة، بحدودها المتعارف عليها دوليًا ما قبل 22مايو 1990.
وكما كانت حضرموت دائمًا في مستوى الأحداث الكبرى، فإنها اليوم تقف مجددًا في قلب المعركة السياسية، شاهدة على أن الإرادة الشعبية الجنوبية هي الحكم، وأن كلمة الفصل ستظل لشعب الجنوب العربي.