عائلات جزائرية تفقد بساتين الزيتون.. الحرائق تهدد تقليداً متوارثاً

السبت - 07 نوفمبر 2026 - الساعة 10:00 م بتوقيت العاصمة عدن

عدن سيتي-متابعات



مع حلول شهر نوفمبر من كل عام، تستعد العائلات الجزائرية في المناطق الريفية والجبلية لموسم جني الزيتون، وهو تقليد متوارث يجمع أفراد الأسرة، من الصغار إلى كبار السن، في أجواء تختلط فيها أهازيج العمل بذكريات الأجداد وروابط العائلة.
المغرب العربي منع استقبال الأمهات في المدارس يثير عاصفة بين الجزائريين
لكن هذا المشهد التقليدي يبدو مختلفاً هذا العام، بعدما أتت حرائق الصيف على مساحات واسعة من الغابات وبساتين الزيتون، خصوصاً في الولايات الشرقية، مخلفة خسائر كبيرة تهدد موسم الحصاد، ولا تقتصر تداعياتها على تراجع الإنتاج، بل تمتد إلى موروث اجتماعي وثقافي ارتبط بحياة سكان الأرياف عبر أجيال.
وتعتاد العائلات الجزائرية التوجه جماعياً إلى بساتين الزيتون الموروثة عن الآباء والأجداد، للمشاركة في جمع المحصول، وسط ترديد الأهازيج والأغاني الشعبية التي تختلف باختلاف المناطق واللهجات المحلية.
حرائق الغابات تهدد موسم الزيتون في الجزائر
عائلات فقدت أشجار الأجداد
وتعد عائلة موحوس، في قرية بوراوي بلهادف بولاية جيجل، من بين العائلات التي تضررت بشدة من الحرائق.
وقال محمد موحوس، البالغ 51 عاماً، ل"العربية.نت"، إن أفراد عائلته نجوا من الموت خلال اندلاع الحرائق، إذ كانوا في زيارة عائلية إلى العاصمة الجزائرية، قبل أن يعودوا ليجدوا ممتلكاتهم قد تضررت، ويضطروا إلى ترميم منازلهم المتصدعة.
كما أضاف أن العائلة حصلت على تعويضات عن الأضرار، لكن الخسارة الأكبر بالنسبة إليها تتمثل في فقدان الإرث التاريخي المرتبط بالأرض والأشجار التي ورثوها عن أجدادهم.
ولا يختلف حال عائلة بواس كثيراً، إذ فقدت هي الأخرى مساحات من بساتين الزيتون التي اعتادت أن تجتمع فيها عشرات أفراد الأسرة خلال موسم الحصاد.
وقال رب العائلة حسن إن موسم الجني كان يمثل مناسبة عائلية ينتظرها الجميع، حيث يجتمع أفراد الأسرة في الحقول، ويرددون الأناشيد الشعبية، ويتناولون وجبات الإفطار معاً، قبل العودة في ساعات متأخرة محملين بسلال الزيتون.
كذلك، أضاف أن العائلة لم يتبق لها هذا العام سوى عدد قليل من الشجيرات، معرباً عن حزنه لغياب تلك اللحظات التي كانت تجمع أفراد الأسرة وتحمل في طياتها جزءاً من هويتهم وذاكرتهم.
على الصعيد الزراعي، يُتوقع أن يكون موسم جني الزيتون ضعيفاً في عدد من المناطق الجزائرية، نتيجة الخسائر الكبيرة التي خلفتها الحرائق.
من جانبه، قال المختص الفلاحي موسى آيت الحاج لـ"العربية.نت" إن الحرائق تسببت في احتراق نحو 4 ملايين شجرة مثمرة، معظمها من أشجار الزيتون، الأمر الذي سينعكس مباشرة على حجم الإنتاج الوطني خلال الموسم الحالي.
وأوضح أن آثار هذه الخسائر لن تتوقف عند الموسم الحالي، إذ تحتاج الأشجار المتضررة إلى سنوات لاستعادة قدرتها الإنتاجية، ما يعني استمرار تأثير الحرائق على المحاصيل خلال المواسم المقبلة.
كما أضاف أن تراجع إنتاج الزيتون سيؤثر أيضاً على آلاف العائلات التي تعتمد على هذا النشاط مورداً سنوياً للدخل، فضلاً عن انعكاساته على المعاصر ووحدات التحويل والتسويق والعمالة الموسمية المرتبطة بموسم الجني.
بساتين الزيتون في الجزائر
خسارة تتجاوز الاقتصاد
وحذر آيت الحاج من أن تداعيات الحرائق لا تقتصر على الخسائر الزراعية والاقتصادية، بل تمتد إلى الجوانب الاجتماعية والثقافية، باعتبار أن موسم جني الزيتون يمثل تقليداً متوارثاً ومساحة للتضامن العائلي والتواصل بين الأجيال.
وأوضح أن اجتماع أفراد العائلة داخل الحقول، وتبادل الخبرات والأهازيج الشعبية، يشكل جزءاً من الذاكرة الجماعية لسكان القرى الجزائرية، محذراً من أن تراجع هذا النشاط قد يؤدي إلى اختفاء ممارسات وتقاليد ارتبطت به على مدى أجيال.
فيما شدد المختص على أهمية إعادة تأهيل بساتين الزيتون المتضررة، ليس فقط لحماية الإنتاج الزراعي ومصادر دخل العائلات، وإنما أيضاً للحفاظ على الموروث الثقافي والاجتماعي وضمان انتقاله إلى الأجيال المقبلة.
وهكذا، لا تقيس العائلات الجزائرية خسائر حرائق الغابات بعدد الأشجار التي احترقت أو كميات الزيتون التي فقدتها فحسب، بل أيضاً بغياب موسم كان يجمع أفرادها حول الأرض، ويحفظ ذكريات الأجداد وتقاليد القرى.

متعلقات