انتخابات الكونغرس.. اهتمام إيراني يتجاوز خطاب عدم الاكتراث

الأحد - 01 نوفمبر 2026 - الساعة 10:30 م بتوقيت العاصمة عدن

عدن سيتي-متابعات



رغم تأكيد مسؤولين إيرانيين أن بلادهم لا تعير انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي المقررة في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026 اهتماماً، وأن مصالحها الوطنية وحدها هي التي تحدد مواقفها، فإن تصريحات مسؤولين إيرانيين وتحليلات وسائل إعلام محلية، إلى جانب تقارير أميركية ودولية، تشير إلى أن طهران تتابع هذا الاستحقاق عن كثب، وتنظر إليه باعتباره عاملاً مؤثراً في حسابات الرئيس الأميركي دونالد ترامب وفي مستقبل المواجهة العسكرية ومسار التفاوض بين البلدين.
ولا تقتصر أهمية الانتخابات بالنسبة إلى إيران على احتمال خسارة الجمهوريين أغلبيتهم في الكونغرس، بل تمتد إلى ما قد يترتب على ذلك من ضغوط سياسية ورقابية على إدارة ترامب وتراجع هامش تحركها الداخلي، فضلاً عن تأثير الحرب وتكاليفها الاقتصادية في الناخب الأميركي.
إيران وسط التهديدات العسكرية.. اعتقالات ومداهمات واسعة تثير المخاوف بإيران
مع ذلك، فإن خسارة الحزب الجمهوري للأغلبية لا تعني بالضرورة أن الرئيس الأميركي سيفقد صلاحياته في إدارة السياسة الخارجية أو اتخاذ قرار عسكري.
تصريحات عراقجي وبقائي
ففي 27 سبتمبر (أيلول) 2026، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، خلال مقابلة على شبكة NBC News الأميركية، إن طهران لا تهتم بالانتخابات الأميركية أو بأي قضية من هذا النوع، مؤكداً أن ما يهمها هو مصالحها الوطنية. وأضاف أن بلاده مستعدة للدبلوماسية، كما أنها مستعدة لمواجهة "أي تحد أو عدوان".
فيما تكتسب تصريحات عراقجي أهميتها لأنها جاءت رداً على سؤال مباشر بشأن الانتخابات النصفية، وليس في إطار حديث عام عن العلاقات مع واشنطن. فإعلان عدم الاكتراث لم يمنع الوزير من التأكيد على استعداد بلاده للحرب، بالتوازي مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً.
(تعبيرية من آيستوك)
وفي مقابلة مع شبكة الإذاعة والتلفزيون الألمانية "ARD"، تناقلتها وسائل إعلام إيرانية في 25 أكتوبر الماضي، تناول المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي تصريح ترامب بأنه لن يهاجم إيران قبل انتخابات منتصف الولاية. وعندما سُئل عما إذا كان يصدق هذا التعهد، أجاب أن هذا التصريح يعني، من وجهة نظره، أن مهاجمة إيران كانت جزءاً من الاستراتيجية الأميركية، وأن على طهران الاستعداد لجميع الاحتمالات، مستنداً إلى أن الولايات المتحدة هاجمت بلاده خلال مسارات تفاوضية سابقة.
بينما كشف مضمون السؤال والجواب أن الانتخابات باتت حاضرة مباشرة في النقاش الإيراني بشأن توقيت أي هجوم أميركي محتمل، حتى وإن لم يعلن المسؤولون الإيرانيون أنها عامل حاسم في قراراتهم.
الرهان على خسارة الجمهوريين وتراجع هامش ترامب
وفي 17 أكتوبر، نشر وزير الخارجية الإيراني الأسبق والنائب في البرلمان منوجهر متكي مقالاً تنبأ فيه بهزيمة الجمهوريين، واصفاً يوم الانتخابات بأنه "يوم مرير لترامب وفريقه". وكتب أن نتائج التصويت ستكشف حجم التراجع السياسي الذي يواجهه الرئيس الأميركي، مقدماً الانتخابات باعتبارها فرصة لمحاسبة إدارته على الحرب وتداعياتها.
ثم في 19 أكتوبر، نشرت صحيفة "كيهان" مقالاً للكاتب المحافظ سعد الله زارعي تناول فيه انعكاسات الحرب على الرأي العام الأميركي، وربط بين موقف الناخبين من الحرب وفرص الجمهوريين في الانتخابات. واستند زارعي إلى استطلاع نسبه إلى مجلس شيكاغو للشؤون العالمية، عارضاً أرقاماً بشأن رفض الأميركيين تكاليف الحرب ومواقفهم من استمرارها، وهي أرقام لا يمكن التأكد من صحتها.
فيما عكست هذه التصريحات والمقالات توجهاً لدى التيار المحافظ في إيران إلى تصوير الانتخابات باعتبارها استفتاء سياسياً على أداء ترامب، وفرصة لإظهار أن الحرب لم تحقق النتائج التي وعد بها، وأن كلفتها قد تتحول إلى عبء انتخابي على الحزب الجمهوري.
كما أن توقع هزيمة الجمهوريين لم يقتصر على الخطاب الإعلامي، إذ ربط بعض المحللين الإيرانيين بين خسارة الأغلبية في مجلس النواب أو مجلس الشيوخ وبين زيادة قدرة خصوم ترامب على مساءلة إدارته وتعطيل بعض أولوياتها.
وفي هذا السياق، نشر موقع "نور نيوز"، القريب من أوساط في المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، في 29 أكتوبر، تحليلاً للكاتب والمحلل الإيراني أمير علي أبو الفتح بعنوان "الانتخابات الأميركية وتأثيرها على الحرب مع إيران". واعتبر أن انتخابات 3 نوفمبر ليست مجرد منافسة على مقاعد الكونغرس، بل "اختبار لمدى رضا الأميركيين عن أداء إدارة ترامب".
وسائل الإعلام الإيرانية.. متابعة مكثفة
هذا ولم تقتصر متابعة الانتخابات على تصريحات المسؤولين والمقالات السياسية، بل امتدت إلى وسائل الإعلام الإيرانية.
وفي 31 أكتوبر، نشر موقع "نور نيوز"، تقريراً بعنوان "هل تؤثر هزيمة الجمهوريين على قرار ترامب؟"، عرض فيه تقديرين متناقضين نسبهما إلى مسؤولين أميركيين لم يسمهما. فبحسب التقرير، رأى أحدهما أن نتائج الانتخابات لن تغير قرارات ترامب بشأن إيران، بينما توقع الآخر أن تدفع هزيمة الجمهوريين الرئيس الأميركي إلى إصدار أمر بعملية عسكرية ضد إيران. تجدر الإشارة إلى أن هذه المواقف لم تصدر عن مسؤولين إيرانيين، بل نقلها الموقع عن مسؤولين أميركيين مجهولين، واستخدمها لعرض تضارب التقديرات بشأن ما بعد الانتخابات.
أما المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني حسين محبي، فقد تحدث في مؤتمر صحافي عقده في 29 سبتمبر عن رسالة وجهها الحرس إلى الشعب الأميركي، داعياً وسائل الإعلام إلى إيصال مضمونها إلى الرأي العام. وركز على تكاليف الحروب الأميركية والإنفاق العسكري وأثر السياسات الخارجية في دافعي الضرائب الأميركيين، كما دعا الأميركيين إلى مساءلة حكومتهم بشأن أولوياتها.
إذ أفادوا بأن طهران "تتعمد إطالة حالة الجمود في المفاوضات مع واشنطن بهدف حرمان ترامب من تحقيق مكسب سياسي يمكن أن يقدمه للناخبين قبل انتخابات 3 نوفمبر". وقال مسؤول إيراني إن "المؤسسة الحاكمة لا تريد منح الرئيس الأميركي انتصاراً سياسياً".
كذلك ذهب تقرير نشرته صحيفة "واشنطن بوست" في 18 أكتوبر إلى أن مسؤولين إيرانيين رأوا في الأسابيع السابقة للانتخابات فرصة للضغط على ترامب من خلال رفع كلفة المواجهة واضطراب أسواق الطاقة والملاحة في مضيق هرمز.
وأشار التقرير إلى أن بعض المسؤولين الإيرانيين يأملون في إلحاق ضرر سياسي بترامب شبيه بما تعرض له الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر خلال أزمة الرهائن في إيران بين عامي 1979 و1981.
في حين تكتسب هذه التقارير أهمية إضافية في ضوء ما نشرته وكالة رويترز في 31 أكتوبر بشأن اجتماع مفاوضين إيرانيين مع وسطاء قطريين في الدوحة، بعد محادثات مطولة في طهران، في محاولة للتوصل إلى مخرج للحرب. كما لفت التقرير إلى مخاوف من احتمال استئناف ترامب الضربات بعد الانتخابات النصفية. بينما نقل عن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قوله إن الرئيس لم يحسم قراره بشأن العمل العسكري، وأنه يفضل المسار الدبلوماسي مع إبقاء الخيار العسكري مطروحاً.
الانتخابات ليست شأناً داخلياً أميركياً بالنسبة لطهران
إذاً تكشف هذه المواقف والتقارير عن مفارقة واضحة في الخطاب الإيراني. فبينما أكد عراقجي أن طهران لا تكترث بالانتخابات الأميركية، وتجنب المسؤولون تقديمها باعتبارها عاملاً يحدد السياسة الإيرانية، أظهرت تصريحات إسماعيل بقائي، ومقالات منوجهر متكي وسعد الله زارعي، وتحليلات أمير علي أبو الفتح، إلى جانب التغطية المكثفة في وسائل الإعلام الإيرانية، أن نتائج الانتخابات حاضرة بقوة في الحسابات السياسية والإعلامية لطهران.
إذ تراهن إيران على أن خسارة الجمهوريين قد تزيد الضغوط الداخلية على ترامب، وتوسع رقابة الكونغرس على إدارته، وتضعف قدرته السياسية على تسويق الحرب باعتبارها نجاحاً. كما ترى أن استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة والاضطراب الاقتصادي، إلى جانب غياب تسوية سياسية، قد يحول المواجهة مع إيران إلى عبء انتخابي على الرئيس الأميركي.
لكن هذا الرهان لا يخلو من حدود. فخسارة الجمهوريين للأغلبية لا تسلب ترامب صلاحياته التنفيذية والعسكرية، ولا تعني بالضرورة أن واشنطن ستتراجع عن خياراتها تجاه إيران. وقد يؤدي تراجع الدعم السياسي الداخلي، في المقابل، إلى زيادة رغبة الرئيس في اتخاذ خطوات عسكرية أو سياسية سريعة لإظهار الحزم قبل الانتخابات أو بعدها.
لذلك، لا تبدو انتخابات 3 نوفمبر بالنسبة إلى طهران مجرد استحقاق أميركي لتغيير تركيبة الكونغرس، بل محطة تتقاطع فيها حسابات الحرب والتفاوض والعقوبات وأسواق الطاقة. وبينما تؤكد إيران علناً عدم اكتراثها بالانتخابات الأميركية، تظهر تصريحات مسؤوليها وتحليلات إعلامها والتقارير التي تنقل عن مصادر إيرانية أن النتيجة الأميركية قد لا تحدد وحدها مسار المواجهة، لكنها أصبحت جزءاً من حسابات طهران المتعلقة بتوقيتها وكلفتها ومآلاتها.

متعلقات