الدكتور جعفر الظفاري.. أكاديمي عدني أسّس للبحث العلمي وخلّد اسمه في ذاكرة الجامعة
الثلاثاء - 27 أكتوبر 2026 - الساعة 08:51 م بتوقيت العاصمة عدن
عدن "عدن سيتي" خاص
لم تُخلّد عدن أسماء أبنائها بما تقلّدوه من مناصب فحسب، بل بما قدّموه من عطاء، وما تركوه من منجزات أسهمت في بناء الإنسان وصناعة الوعي وحفظ الذاكرة الثقافية، ومن بين هذه القامات الأكاديمية التي تستحق الوفاء والتوثيق، يبرز اسم الأستاذ الدكتور جعفر عبده صالح الظفاري، الذي كرّس حياته للتعليم والبحث العلمي، وجعل من المعرفة رسالةً تتجاوز حدود الوظيفة إلى آفاق خدمة المجتمع والأجيال.
كان الظفاري أحد الوجوه الأكاديمية البارزة التي ارتبطت بمسيرة التعليم العالي في عدن، جامعًا بين التدريس والبحث والتأليف والعمل المؤسسي، حتى غدا اسمه جزءًا من تاريخ جامعة عدن وذاكرة الحركة الثقافية والعلمية فيها.
من حافون إلى الجامعات العالمية
وُلد الدكتور جعفر الظفاري عام 1936 في حي حافون بمديرية المعلا في عدن. ومنذ سنواته الأولى، اتجه نحو العلم، فأكمل دراسته الثانوية في كلية عدن عام 1956، قبل أن ينتقل إلى بيروت للالتحاق بالجامعة الأمريكية، حيث درس الأدب العربي وتخرّج عام 1960 بدرجة البكالوريوس، إلى جانب دبلوم في التربية.
ولم يتوقف طموحه عند هذا الحد؛ إذ واصل دراساته العليا في معهد الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن، ونال الدكتوراه عام 1966 عن دراسة متخصصة في الشعر الحميني، فاتحًا بذلك بابًا علميًا لدراسة أحد ألوان التراث الشعري المحلي، والكشف عن خصائصه الأدبية والثقافية.
مثّلت هذه الرحلة العلمية نقطة تحول في مسيرته، إذ عاد إلى عدن محمّلًا بمعرفة أكاديمية وظّفها في التدريس والبحث والتأليف، مؤمنًا بأن التراث لا يصون نفسه بنفسه، بل يحتاج إلى عقول تبحث فيه وتوثّقه وتقدّمه للأجيال بلغة العلم والمنهج.
رائد في مسيرة التعليم الجامعي بعدن
بدأ الظفاري عمله في التدريس، متوليًا تدريس الأدب العربي والدين الإسلامي، ثم عمل في مجال النشر بوزارة المعارف الاتحادية خلال عامي 1966 و1967، وأسهم في إعداد الكتب المدرسية لمراحل التعليم المختلفة، كما ارتبط اسمه بجهود إعداد مواد تعليمية لمحو الأمية.
ومع انطلاق مسيرة التعليم الجامعي في عدن، برز دوره في كلية التربية العليا، فتولى عمادتها خلال الفترة من 1974 إلى 1976، في مرحلة كانت فيها المدينة بحاجة إلى إعداد الكوادر التعليمية وتأهيل المعلمين وتوسيع قاعدة التعليم العالي.
وفي عام 1975، ومع تأسيس جامعة عدن، تولّى منصب نائب رئيس الجامعة للشؤون الأكاديمية، واستمر فيه حتى عام 1982. وقد وضعته هذه المسؤولية في قلب مرحلة مهمة من تطور الجامعة وتنظيم شؤونها الأكاديمية، وتعزيز دورها في إعداد المتخصصين وتطوير البرامج التعليمية.
لقد مثّل الظفاري نموذجًا للأكاديمي الذي لم يحصر دوره في قاعة المحاضرات، بل امتد عطاؤه إلى بناء المؤسسات التعليمية والمشاركة في ترسيخ أسس العمل الجامعي.
تجربة دولية وخبرة في التعليم العربي
بين عامي 1982 و1985، عمل خبيرًا في اللغة العربية والدين الإسلامي لدى مدارس وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، ضمن تجربة شملت عددًا من البلدان العربية.
وقد أضافت هذه التجربة بُعدًا جديدًا إلى مسيرته المهنية، إذ أتاحت له توظيف خبرته التربوية في بيئات تعليمية متعددة، قبل أن يعود إلى عدن لمواصلة مشروعه الأكاديمي والبحثي.
مركز الظفاري.. مؤسسة تحمل بصمته العلمية
في عام 1986، أسهم الدكتور جعفر الظفاري في تأسيس مركز البحوث والدراسات اليمنية بجامعة عدن، وتولى إدارته حتى وفاته عام 2009، وكانت هذه المحطة من أبرز إنجازاته، لما مثّله المركز من مساحة علمية تُعنى بالدراسات التاريخية والأدبية والثقافية والاجتماعية، وتدعم توثيق المصادر ونشر البحوث.
وفي عام 1988، صدر العدد الأول من مجلة «اليمن للبحوث والدراسات»، وتولى الظفاري رئاسة هيئة تحريرها، مساهمًا في ترسيخ حضور البحث العلمي والنشر الأكاديمي.
وبعد رحيله، حمل المركز اسمه تقديرًا لإسهاماته في تأسيسه وإدارته، ليصبح مركز الظفاري للبحوث والدراسات اليمنية بجامعة عدن، شاهدًا مؤسسيًا على مسيرة رجل آمن بأن الأمم لا تبني مستقبلها إلا بالمعرفة، ولا تحفظ تاريخها إلا بالبحث والتوثيق.
مؤلفات تحفظ التاريخ وتصون التراث
إلى جانب مسؤولياته الأكاديمية، ترك الظفاري إنتاجًا علميًا وثقافيًا تناول التاريخ والأدب والتراث، وعكس اهتمامه بتوثيق الذاكرة الثقافية ودراسة مصادرها.
ومن أبرز أعماله كتاب «عرف الخزامى: دراسات في التاريخ اليمني» الصادر عام 2008 عن مركز البحوث والدراسات اليمنية بجامعة عدن، وكتاب «سفينة القلائد» المرتبط باهتمامه بالشعر الحميني، إلى جانب بحثه «انطباع عام عن هارولد إنجرامز»، المنشور عام 2004.
كما نشر دراسات في مجلات ثقافية وعلمية، من بينها «الحكمة» و«الثقافة الجديدة» ومجلة «اليمن»، وشارك في مؤتمرات وندوات علمية، مؤكدًا حضوره باحثًا ومثقفًا إلى جانب دوره الإداري والتعليمي.
اللغة العربية والتعريب في صميم اهتماماته
لم ينفصل اهتمام الظفاري بالبحث العلمي عن حرصه على تطوير التعليم وتعزيز حضور اللغة العربية. فقد ترأس الجمعية اليمنية لتعريب العلوم منذ تأسيسها وحتى وفاته، وشارك في أعمال ثقافية وتربوية تناولت قضايا التعليم والتنسيق الثقافي.
وفي عام 2006، كرّمته الجمعية الدولية للغويين والمترجمين العرب تقديرًا لإسهاماته العلمية والثقافية، في اعتراف بما قدّمه من جهود في مجالات اللغة والتعليم والبحث.
الرحيل الذي لم ينهِ الحضور
في 11 يوليو 2009، غيّب الموت الدكتور جعفر عبده صالح الظفاري في عدن، بعد مسيرة حافلة بالعطاء الأكاديمي والثقافي. وبرحيله فقد الوسط العلمي أحد رجاله الذين جمعوا بين المعرفة والخبرة والعمل المؤسسي، لكن أثره ظل حاضرًا في مؤلفاته وأبحاثه، وفي المؤسسة البحثية التي حملت اسمه.
لم يكن إرث الظفاري منصبًا انتهى بانتهاء شاغله، ولا ذكرى عابرة في سجل الجامعة؛ بل كان مسارًا علميًا امتد عبر التعليم والتأليف والتأسيس، وأسهم في وضع لبنات مهمة في تاريخ البحث الأكاديمي في عدن.
الظفاري.. صفحة مضيئة في ذاكرة عدن
إن توثيق سيرة الدكتور جعفر الظفاري هو وفاء لقامة علمية جعلت من التعليم طريقًا لبناء الإنسان، ومن البحث وسيلةً لفهم التاريخ، ومن صون التراث مسؤوليةً تجاه الأجيال القادمة.
لقد جمع بين الأستاذ الجامعي والباحث والمثقف، وترك بصمته في مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي، فاستحق أن يُستعاد اسمه ضمن سجل الشخصيات التي أسهمت في تشكيل المشهد الثقافي والأكاديمي لعدن.
رحم الله الدكتور جعفر عبده صالح الظفاري؛ فقد رحل الجسد، وبقي أثر العلم، وظل الاسم حاضرًا في مؤسسة تحمل إرثه، وفي ذاكرة مدينة تعرف قيمة رجالها الذين خدموها بالفكر والمعرفة والعطاء.
#دليل_عدن_السياحي
#عدن_تاريخ_تراث_ثقافة_سياحة