السبت-24 أكتوبر - 04:38 م-مدينة عدن

تعديل قانوني يثير مخاوف الصحفيين في السودان من الملاحقة

السبت - 24 أكتوبر 2026 - الساعة 03:27 م بتوقيت العاصمة عدن

عدن سيتي-متابعات



في السودان الذي تمزقه الحرب، لم يعد التحدي أمام الصحفيين مقتصرًا على الوصول إلى المعلومات والتحقق منها، بل امتد إلى المخاطر القانونية التي قد تترتب على نشرها.
فقد أثار تعديل على القانون الجنائي في البلاد مخاوف بشأن حرية الصحافة، بعدما تم إضافة "النشر عبر الوسائط الإلكترونية والإعلامية" إلى المادة (51/أ) المتعلقة بإثارة الحرب ضد الدولة، والتي نصت على عقوبات تصل إلى الإعدام، في خطوة أعادت الجدل بشأن حدود المسؤولية الجنائية للصحفيين، خصوصًا أن المنصات الرقمية باتت إحدى النوافذ القليلة لنقل أخبار الحرب وتوثيق الانتهاكات.
فيما أوضحت السلطات أن التعديل يستهدف تجريم من يثير الحرب ضد الدولة. وقال وزير العدل السوداني عبد الله درف، في تصريحات لصحيفة "الكرامة" السودانية، إن التعديل يستهدف مواجهة التحريض على الحرب والتأييد العلني للمليشيا وجرائمها، نافيًا ارتباطه بالتقويض الدستوري أو بقانون مكافحة جرائم المعلوماتية.
غير أن هذه التوضيحات لم تنه الجدل بشأن الضمانات التي تحول دون استخدام النص في ملاحقة الصحفيين بسبب ما ينشرونه.
كما تساءل عن مبررات إدراج النشر الإلكتروني والإعلامي ضمن مادة تجرّم التحريض على الحرب أو تأييدها، مشيرًا إلى إشكالات محتملة بشأن العلاقة بين القانون الجنائي العام والتشريعات الخاصة بجرائم المعلوماتية.
ولفت حضرة إلى أن المادة (51) من القانون الجنائي السوداني لسنة 1991 تتناول جريمة إثارة الحرب ضد الدولة، وتحدد صورًا للسلوك الذي يندرج تحتها، تشمل جمع الأفراد وتدريبهم، وجمع السلاح والعتاد أو الشروع في ذلك، والتحريض على هذه الأفعال أو تأييد مرتكبيها، فضلًا عن التعامل مع دولة في حالة حرب مع السودان، وتجهيز قوات لغزو دولة أجنبية في ظروف محددة، وتخريب المعدات والمنشآت بقصد الإضرار بالمركز الحربي للبلاد. وأضاف أن المادة تنص، على عقوبات تصل إلى الإعدام أو السجن المؤبد أو السجن لمدة أقل، مع جواز مصادرة الأموال.
لكن الإشكالية تكمن، وفق حضرة، في إدراج النشر الإلكتروني والإعلامي ضمن المادة، بما يثير تساؤلات بشأن الحدود الفاصلة بين الأفعال التي تستهدفها النصوص الجنائية والعمل الصحفي الذي ينقل الوقائع.
هذا ورأى الخبير القانوني، أن وجود تشريعات متخصصة لتنظيم الصحافة والجرائم المعلوماتية يستدعي توضيح مبررات هذا الإدراج، والضمانات التي تمنع تفسير التغطية الصحفية أو نقل روايات أطراف النزاع باعتبارهما تأييدًا لإثارة الحرب.
كما اعتبر أن التعديل يخلط بين طبيعتين مختلفتين من السلوك، قائلًا إن "هناك فرقًا بين الأفعال والأقوال". وانتقد الخبير القانوني التعديل، معتبرًا أنه يعكس اضطرابًا تشريعيًا، ومحذرًا من أن يؤدي إلى "إثارة الذعر والخوف من إبداء آراء مخالفة".
من جهته، وصف الصحفي، علي فارساب، في إفادات لـ"العربية.نت"، التعديلات بأنها "تقييد لحرية العمل الصحفي والإعلامي والنشر الإلكتروني"، محذرًا من تداعيات العقوبات المشددة على الحريات العامة في ظل الحرب. وتسائل عن حاجة البلاد إلى مزيد من القيود على الفضاء الإعلامي.
في النقابل، رفضت نقابة الصحفيين السودانيين تعديل المادة (51)، كما اعترضت على تشكيل الآلية الوطنية لمكافحة جرائم المعلوماتية بصيغتها المعلنة، محذرة من انعكاسات الإجراءين على حرية الصحافة والتعبير وحق المواطنين في الوصول إلى المعلومات. وقالت النقابة إن إدراج النشر الإلكتروني والإعلامي ضمن مادة تتعلق بأمن الدولة يفتح الباب أمام توسيع نطاق التجريم ليشمل أنشطة صحفية مشروعة، ويزيد احتمالات الملاحقة والرقابة الذاتية، خصوصًا في ظل الحرب وما يصاحبها من صعوبات في التحقق من المعلومات والحصول عليها.
في هذا السياق، حذرت الصحفية سارة تاج السر، من أن ينعكس التعديل على التغطيات الميدانية والتعامل مع المعلومات العسكرية الحساسة، في ظل الضغوط التي تواجه المؤسسات الإعلامية بين سرعة النشر وضرورة التحقق. وقالت إن هذه المخاوف قد تدفع بعض المؤسسات إلى تجنب نشر أخبار خشية المساءلة.
ومع صعوبة الوصول أحيانًا إلى مصادر مستقلة للتحقق الفوري، قد تتجه غرف الأخبار إلى الاعتماد بصورة أكبر على الرواية الرسمية، إذا كان نقل روايات الأطراف الأخرى قد يعرّض العاملين فيها للملاحقة.
هذا وتساءلت الصحفية السودانية، عما إذا كان تطبيق التعديل سيقتصر على المواد المنشورة بعد صدوره أم قد يمتد إلى مواد سابقة.
كما طرحت تساؤلات بشأن الضمانات التي تحول دون استخدامه لتصفية الحسابات. وشددت على ضرورة التمييز الواضح بين التغطية الصحفية والنشر بقصد التأييد، محذرة من أن المؤسسات الإعلامية داخل السودان قد تضطر إلى تغيير سياساتها التحريرية تحت ضغط المخاوف القانونية.
وبين تأكيد السلطات أن التعديل يستهدف مواجهة إثارة الحرب وتأييدها، وتحذيرات الصحفيين والمحامين من اتساع نطاق تطبيقه، تظل الحدود الفاصلة بين الجريمة والعمل الصحفي محور الخلاف.
ففي بلد يحتاج فيه الجمهور إلى معرفة ما يجري على جبهات القتال وخارجها، لا تتوقف المخاوف عند احتمال ملاحقة صحفي، بل تمتد إلى تأثير العقوبات المحتملة على قرارات النشر نفسها، وما قد يدفع غرف الأخبار إلى التردد أو الصمت، ليس لغياب أهمية الخبر، وإنما خشية أن يتحول نشره إلى مخاطرة قانونية.

متعلقات