الثائر صالح أحمد مقبل المسلم «أبو غسان».. مسيرة من النضال الوطني من فجر ثورة أكتوبر إلى رحيل الكبار

الأربعاء - 14 أكتوبر 2026 - الساعة 05:08 ص بتوقيت العاصمة عدن

الضالع " عدن سيتي " محسن كردوم






الثائر الإكتوبري الكبير صالح أحمد مقبل المسلم �أبو غسان�.. مسيرة من النضال الوطني من فجر ثورة أكتوبر إلى رحيل الكبار



لم يكن المناضل الراحل صالح أحمد مقبل المسلم المعروف بـ�أبو غسان� اسماً عادياً في تاريخ الضالع والجنوب بل كان واحداً من الرجال الذين ارتبطت حياتهم بمراحل مفصلية من تاريخ الوطن الجنوبي منذ سنوات الكفاح ضد الاستعمار البريطاني مروراً بمرحلة بناء الدولة بعد الاستقلال وصولاً إلى الحراك الجنوبي السلمي وما رافقه من تحولات سياسية واجتماعية.

ومن قرية الردوع بمنطقة السيلة في الضالع بدأت حكاية هذا المناضل الذي ولد عام 1938 في أسرة بسيطة وعاش ظروفاً معيشية صعبة قبل أن ينتقل إلى عدن للعمل في مصفاة النفط.
وهناك تشكلت علاقاته بالأوساط الوطنية والسياسية التي كانت تنشط في مواجهة الاستعمار البريطاني وتبحث عن طريق التحرر والاستقلال.

كانت تلك مرحلة لا تشبه سواها من المراحل. فالنضال الوطني لم يكن مجرد شعارات ترفع أو كلمات تقال بل كان عملاً منظماً وتضحيات متواصلة ومواقف تحمل أصحابها مسؤوليات كبيرة في زمن كانت فيه الملاحقة والخطر جزءاً من حياة المناضلين.

من حركة القوميين العرب إلى صفوف الثورة

ارتبط صالح المسلم بالعمل الوطني في مرحلة مبكرة من حياته وكان من الشخصيات التي ورد اسمها في سياق نشاط حركة القوميين العرب والعمل التنظيمي في الضالع.
وقد تناولت صحيفة �14 أكتوبر� في موادها التاريخية دور أبناء الضالع في التحضير للكفاح المسلح وأشارت إلى اسم صالح أحمد مقبل ضمن الشخصيات المرتبطة بالحركة الوطنية والقيادة المحلية في تلك المرحلة.

كما تناولت صحيفة �الأيام� في تقريرها المنشور يوم 25 أكتوبر 2017 عن المناضل عمر علي حسن اللميح جوانب من النشاط الوطني لجمعية أبناء الضالع ونقلت شهادة لصالح المسلم عن دور اللميح في استقطاب أفراد من الحرس الاتحادي إلى صف الثورة وتسهيل تحركات الثوار في مواجهة القوات البريطانية.

وتعكس هذه الشهادات جانباً من طبيعة العمل الوطني الذي احتضنته الضالع قبل الاستقلال حيث تداخل النشاط السياسي والتنظيمي مع العمل الميداني وتعاون أبناء المنطقة في دعم الثورة وربط الجهود الوطنية في الداخل والخارج.

ولم يكن المسلم بعيداً عن تلك المرحلة التي صنعت تاريخاً جديداً للجنوب.
فقد كان من رجال جيل آمن بأن التحرر من الاستعمار مسؤولية وطنية وأن الطريق إلى الاستقلال يحتاج إلى التنظيم والإرادة والتضحيات.

فدائي في مرحلة الكفاح المسلح

تورد السيرة التوثيقية الخاصة بالفقيد تفاصيل عن مشاركته في النشاط الفدائي ودوره في تنظيم مجموعات العمل الميداني في الضالع والمناطق المجاورة.
وتشير إلى مشاركته في عمليات استهدفت القوات البريطانية وتحركاتها العسكرية وإسهامه في التنسيق بين العناصر الوطنية في أكثر من منطقة.

وتكشف هذه التفاصيل عن طبيعة المرحلة التي عاشها المناضلون في الضالع حين كانت المواجهة مع الاستعمار تتطلب معرفة بالمنطقة وقدرة على التحرك والتنظيم وتحمل المخاطر.
وقد تزامن ذلك مع اتساع العمل الثوري في مناطق الجنوب وتنامي دور القوى الوطنية التي قادت معركة التحرر حتى إعلان الاستقلال في الثلاثين من نوفمبر عام 1967.

كان الاستقلال تتويجاً لنضال طويل شارك فيه رجال من مختلف مناطق الجنوب وفتح صفحة جديدة في تاريخ البلاد.
غير أن مسؤولية المسلم لم تنته بانتهاء مرحلة الكفاح المسلح بل انتقل إلى مرحلة أخرى من العمل الوطني وخدمة المجتمع.

بعد الاستقلال.. مسؤولية البناء والعمل العام

بعد الاستقلال تولى صالح المسلم مهام مرتبطة بالقطاع الزراعي في الضالع.
وتشير سيرته إلى تعيينه مشرفاً على الزراعة في يناير 1968 ثم التحاقه بدورة في معهد الكود بمحافظة أبين عام 1970 للتأهيل في مجال الإرشاد الزراعي.

كما شارك في النشاط التعاوني بين المزارعين وتولى مسؤوليات في الأطر الزراعية المحلية خلال السنوات التالية.
وتذكر السيرة أنه ترأس اللجنة الزراعية في الضالع عام 1973 وشارك في أعمال ومهام عامة ضمن مؤسسات الدولة والأطر السياسية والحزبية.

وكان المسلم من الشخصيات التي جمعت بين التجربة النضالية والعمل المدني والسياسي إذ امتدت مسيرته إلى مواقع حزبية ومؤسسات عامة خلال مراحل مختلفة من تاريخ الجنوب واليمن.
كما شغل عضوية اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني وكان له حضور في الحياة السياسية والاجتماعية.

وتحمل هذه المرحلة دلالة مهمة في سيرة رجال الثورة الذين انتقلوا بعد الاستقلال إلى ميادين البناء وإدارة شؤون المجتمع. فالدولة التي خرجت من معركة التحرر كانت بحاجة إلى رجال يحملون خبرة النضال ويشاركون في بناء المؤسسات وتنظيم العمل العام وتلبية احتياجات المواطنين.

رجل عاصر التحولات وبقي قريباً من الناس

عاش صالح المسلم مراحل سياسية صعبة شهدها الجنوب واليمن وامتدت مسيرته عبر أحداث وتحولات تركت آثارها على حياة الناس ومؤسسات الدولة. وبعد حرب عام 1994 واجه ظروفاً صعبة وفقاً لما تذكره سيرته إذ تأثر وضعه الوظيفي والاجتماعي وعاد إلى الضالع حيث واصل حضوره بين أبناء منطقته.

ومع بروز الحراك الجنوبي السلمي عاد المسلم إلى الواجهة الاجتماعية بوصفه أحد أبناء الجيل الذي عاصر بدايات الحركة الوطنية واحتفظ بذاكرة طويلة عن رجالها وأحداثها. وتذكر سيرته أنه اهتم بالإصلاح بين الناس وتقريب وجهات النظر والمساهمة في معالجة الخلافات الاجتماعية والسياسية كما تعرض للاعتقال في مراحل مختلفة.

لقد كانت الضالع بالنسبة إليه أكثر من مسقط رأس ومكان إقامة. كانت جزءاً من تاريخه وذاكرته وامتداداً لمسيرة وطنية عاش محطاتها منذ سنوات الاستعمار حتى مرحلة الحراك الجنوبي.
ولذلك بقي قريباً من الناس ومتابعاً لما يجري في منطقته وما يمر به الجنوب من تحولات.

حرب 2015 والرحيل في القاهرة

حين اندلعت الحرب عام 2015 كانت الضالع في قلب المواجهة.
وبرغم تقدمه في السن ومعاناته الصحية بقي المسلم في منطقته وتذكر سيرته أنه واصل التواصل مع الشباب وتشجيعهم في تلك الظروف الصعبة.

ومع تدهور حالته الصحية سافر إلى القاهرة لتلقي العلاج لكنه توفي يوم 19 ديسمبر 2017 عن عمر ناهز 79 عاماً.
وقد نعي الفقيد باعتباره واحداً من رجال الحركة الوطنية ومن طلائع ثورة أكتوبر وقيادات الكفاح المسلح في جبهة الضالع ومن رواد حركة القوميين العرب وعضواً في اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني.

وعقب وفاته عاد جثمانه إلى الضالع حيث شيع في موكب جنائزي كبير شارك فيه محبوه ورفاقه وأبناء المنطقة الذين استحضروا محطات من حياته وما تركته من أثر في الذاكرة الوطنية والاجتماعية.

ذاكرة مناضل ومسؤولية التوثيق

إن الحديث عن صالح أحمد مقبل المسلم �أبو غسان� هو حديث عن جيل من أبناء الجنوب حملوا مسؤولية النضال في ظروف صعبة وأسهموا في صناعة مرحلة التحرر الوطني ثم واصلوا حضورهم في ميادين العمل السياسي والاجتماعي بعد الاستقلال.

وتأتي أهمية توثيق سيرته من تعدد المحطات التي عاشها ومن صلته بتاريخ الضالع والحركة الوطنية الجنوبية.
فالكتاب التذكاري الذي تناول حياته وما نشرته الصحف من مواد وشهادات تشكل جميعها مادة مهمة لحفظ هذه السيرة واستعادة تفاصيلها أمام الأجيال الجديدة.

لقد رحل أبو غسان جسداً لكنه بقي حاضراً في ذاكرة من عرفوه وفي تاريخ المنطقة التي عاش فيها وبين أبنائها.
وتظل سيرته جزءاً من تاريخ الجنوب الذي صنعه رجال لم تكن حياتهم منفصلة عن قضايا وطنهم بل ارتبطت بها في مراحل الاستعمار والتحرر وبناء الدولة والتحولات اللاحقة.

إن الوفاء لهؤلاء الرجال لا يكون باستعادة أسمائهم في المناسبات وحدها بل بحفظ تاريخهم وتوثيق تجاربهم وإنصاف أدوارهم وإبقاء ذاكرتهم حية في وجدان الأجيال. فالأوطان التي تحفظ تاريخ مناضليها تحفظ جزءاً من هويتها وتمنح أبناءها فرصة معرفة الطريق الذي سلكه السابقون حتى وصلت إليهم راية النضال الوطني.


الضالع | بقلم الإعلامي محسن كردوم

متعلقات