تهديد بقطع المخصصات يُسقط «شجاعة» بن لزرق.. كيف أسكتت اللجنة الخاصة السعودية انتقاد وزير الدفاع

الخميس - 27 أغسطس 2026 - الساعة 09:38 م بتوقيت العاصمة عدن

عدن "عدن سيتي" خاص



في واقعة تكشف، بحسب مصادر مطلعة، جانبًا من آلية عمل المطابخ الإعلامية التابعة للجنة الخاصة السعودية في عدن، اضطر الصحفي فتحي بن لزرق، رئيس تحرير صحيفة وموقع �عدن الغد�، إلى حذف منشور شديد اللهجة كان قد انتقد فيه وزير الدفاع اليمني طاهر العقيلي، وذلك عقب تدخل القيادي السعودي عبدالله النصار الذي مارس ضغوط وتهديدات بقطع المخصصات المالية الشهرية المخصصة لمؤسسة عدن الغد وموظفيها.

وكان بن لزرق قد نشر على صفحته الرسمية في �فيسبوك� انتقادًا لاذعًا لظهور وزير الدفاع طاهر العقيلي بملابس مدنية أنيقة داخل أحد فنادق الرياض، في الوقت الذي تشهد فيه البلاد تصعيدًا عسكريًا وهجمات حوثية، حيث كتب: �وسط أعمال القصف والاستهدافات الحوثية التي تطال مختلف المحافظات اليمنية، توقعت أن يكون وزير الدفاع متواجدًا في الصفوف الأمامية بإحدى الجبهات، لا داخل فندق يظهر في صورة كهذه ومن شدة أناقته تكاد تشم رائحة العطر الذي يضعه على ملابسه�.

لكن المنشور لم يصمد طويلًا، إذ جرى حذفه بعد وقت قصير من نشره، وفق المعلومات التي حصلت عليها مصادر إعلامية مطلعة، عقب تدخل عبدالله النصار، المسؤول الإعلامي في اللجنة الخاصة السعودية، والذي يشرف على مجموعة إعلامية خاصة يتم من خلالها ، بحسب المصادر توزيع التوجيهات والمحددات الإعلامية على عدد من الإعلاميين والصحفيين المقيدين فيها.

وبحسب أحد أعضاء المجموعة، فإن النصار وجه انتقادًا حادًا لبن لزرق، مؤكدًا أن المنشور المتعلق بوزير الدفاع ليس ضمن �الموجهات� والمحددات التي جرى تعميمها على أعضاء المجموعة، وطالبه بحذفه فورًا وعدم الإساءة إلى الوزير.

وتكشف المعلومات أن الأمر لم يتوقف عند حدود الاعتراض الإعلامي، بل وصل إلى التهديد المباشر بقطع المرتبات والمخصصات الشهرية المعتمدة لصحيفة وموقع �عدن الغد� وموظفيها في حال عدم حذف المنشور.

وأمام هذا التهديد، لم يستغرق الأمر طويلًا حتى اختفى المنشور من صفحة بن لزرق، في مشهد يطرح سؤالًا صارخًا حول حقيقة الاستقلالية التي تقدم بها الصحيفة نفسها وخطاب رئيس تحريرها للرأي العام.

*�الشجاعة� عندما يكون الهدف جنوبياً*

المفارقة الأكثر إثارة أن واقعة حذف المنشور جاءت بعد ظهور بن لزرق، يوم أمس، على قناة اليمن الحكومية، متحدثًا عن انهيار الخدمات وانتقاد أداء الحكومة، ومؤكدًا أنه يتحدث �بشجاعة� عن أي فشل في أداء المسؤولين وعجزهم عن تقديم الخدمات للمواطنين ، غير أن هذه الشجاعة، بحسب ناشطين، سرعان ما تراجعت أمام أول اختبار حقيقي، عندما تعلق الأمر بوزير الدفاع.

ففي الوقت الذي يرفع فيه بن لزرق سقف الانتقاد تجاه عدد من القيادات والمسؤولين الجنوبيين، خصوصًا المحسوبين على المجلس الانتقالي الجنوبي، اختفى منشوره سريعًا عندما تعلق الأمر بوزير الدفاع اليمني الذي ينتمي إلى محافظة عمران المحتلة من قبل الحوثيين، بعد تدخل المسؤول السعودي المشرف على المجموعة الإعلامية.

وهنا تبرز المفارقة التي يطرحها الشارع الجنوبي: هل الشجاعة الإعلامية انتقائية؟ وهل أصبح مسموحًا مهاجمة القيادات الجنوبية، بينما تتحول الانتقادات تجاه القيادات الشمالية إلى خطوط حمراء سعودية بمجرد صدور توجيه من ممولي المطابخ الإعلامية ؟

*�عدن الغد�.. صحيفة أم منصة ضمن مطبخ إعلامي سعودي؟*

وتعيد هذه الواقعة فتح ملف الدور المعادي الذي تلعبه صحيفة وموقع �عدن الغد� في المشهد الإعلامي بعدن، وسط اتهامات متكررة باستخدام المؤسسة كمنصة إعلامية ضمن المطبخ اليعودي الذي يستهدف المجلس الانتقالي الجنوبي وقياداته، عبر حملات إعلامية معادية منظمة تتزامن مع التوجيهات الصادرة عن الجهات الداعمة في اللجنة الخاصة والسفير السعودي محمد ال جابر .

وبحسب المعلومات المتداولة في مجموعة اللجنة الخاصة السعودية الذي يديرها عبدالله النصار داخل الأوساط الإعلامية الذي جرى استقطابها منذ يناير الماضي ، فإن المخصصات المالية التي تحصل عليها مؤسسة عدن الغد وموظفوها ليست منفصلة عن نشاطها الإعلامي، وإنما تستخدم لضمان استمرار المؤسية في تنفيذ أجندة إعلامية سعودية محددة، وفي مقدمتها مهاجمة المجلس الانتقالي وقياداته والترويج لخطاب سياسي يتوافق مع توجهات اللجنة الخاصة السعودية وهي الجهة الداعمه لتلك المطابخ الإعلامية وفي مقدمتها مؤسسة عدن الغد .

وفي هذا السياق، فإن واقعة حذف منشور وزير الدفاع تكتسب أهمية أكبر، لأنها ، لا تكشف فقط عن خلاف على منشور، بل عن آلية مالية تستخدم للضغط على الإعلاميين المتبنكسين وإجبارهم على الالتزام بخطوط حمراء ومحددات سياسية سعودية مسبقة ، والأخطر أن التهديد السعودي لم يكن موجهًا إلى بن لزرق بصفته الشخصية فقط، بل طال مرتبات المؤسسة وموظفيها، بما يعني أن القرار الإعلامي تحول إلى مصدر ارتزاق لعشرات العاملين فيها وفي بقية المطابخ الإعلامية الممولة سعودياً، الأمر الذي يجعل التهديد بقطع المخصصات وسيلة ضغط بالغة التأثير.

*لماذا اختفى الانتقاد؟*

ويبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: إذا كان بن لزرق يرى أن وزير الدفاع أخفق في تواجده على الجبهات وظهر بدلًا من ذلك داخل فندق بالرياض، فلماذا تراجع عن موقفه بهذه السرعة؟ ولماذا لم يتمسك بما كتبه، خصوصًا أنه قدم نفسه للرأي العام باعتباره صحفيًا لا يخشى انتقاد الحكومة والمسؤولين؟

الأمر، وفق المعلومات المؤكدة، يبدو واضحًا: المنشور لم يكن ضمن �الموجهات�، والانتقاد تجاوز الخطوط المسموح بها، وعندما وُضع السعودي النصار الصحفي بن لزرق أمام خيار الاستمرار في انتقاد الوزير أو خسارة المخصصات المالية للمؤسسة وموظفيها، اختار حذف المنشور ، وهنا تسقط، ، واحدة من أكثر الشعارات التي ترفعها بعض هذه المنصات المستأجرة: شعار �الصحافة المستقلة�.

فالإعلام الذي يستطيع مهاجمة خصوم مموليه، لكنه يعجز عن الاحتفاظ بمنشور ينتقد مسؤولًا حليفًا بمجرد التلويح بقطع المخصصات، لا يبدو إعلامًا مستقلًا بقدر ما يبدو إعلامًا مرتهنًا لمن يدفع ويحدد ويأمر.

وفي النهاية، فإن حذف منشور بن لزرق لم يمحُ ما كتبه، بل جعل الواقعة أكثر إثارة للجدل، وفتح الباب أمام تساؤلات أوسع عن حقيقة المطابخ الإعلامية المدعومة سعوديًا في عدن، وحجم الأموال التي تُضخ فيها، والأدوار التي تؤديها، والجهات والشخصيات التي تستهدفها، والأهم: من يملك قرار النشر والحذف.. الصحفي أم من يملك دفتر المخصصات؟

متعلقات