النظام السعودي وعقدة الزعامة
الخميس - 27 أغسطس 2026 - الساعة 08:35 م بتوقيت العاصمة عدن
تقرير "عدن سيتي" د. فؤاد علي ناصر الحاج
*الحلقة الثانية*
*الزعامات المغدورة*
*هل تُدبّر الرياض الاغتيالات في الظلام؟*
*المقدمة: نمطٌ مريب*
في التاسع والعشرين من سبتمبر عام 1970، استيقظ العالم العربي على نبأٍ صادم: توفي جمال عبد الناصر، الزعيم المصري، عن عمرٍ ناهز 52 عاماً، إثر أزمةٍ قلبيةٍ حادة. في العشرين من ديسمبر 2003، أُلقي القبض على صدام حسين في حفرةٍ صغيرةٍ قرب مسقط رأسه في تكريت. وفي العشرين من أكتوبر 2011، قُتل معمر القذافي بدمٍ باردٍ في شوارع سرت الليبية.
*ثلاثة زعماء عرب. ثلاثة مصائر دموية. وثلاثة أسماء تربطها شكوكٌ واحدة: هل كانت الرياض خلف الستار؟*
*هذه الحلقة الثانية* من تحقيقنا "النظام السعودي وعقدة الزعامة" تتناول الاتهامات المدوية التي تساور الشكوك الكثير من الكتاب والمؤرخين والمحللين حول دورٍ سعودي في إزالة زعماء عرب غيّروا وجه التاريخ.
*الفصل الأول: جمال عبد الناصر — وفاةٌ في التاسع والعشرين من سبتمبر*
الرجل الذي هزّ عرش النظام السعودي
لم يكن جمال عبد الناصر مجرد رئيسٍ لمصر. كان الزعيم الذي قاد ثورة 1952 التي أطاحت بالملكية في أكبر دولةٍ عربية. كان الرجل الذي وقف في وجه الاستعمار البريطاني والفرنسي والإسرائيلي في حرب 1956. وكان القائد الذي دعم الثورة اليمنية ضد الإمامة المدعومة سعودياً.
للسعودية، كان عبد الناصر العدو اللدود. فقد هزمها في حرب اليمن (1962-1970)، حيث ربط 70,000 جندي مصري في مستنقعٍ استنزفت فيه خزينة القاهرة مليون دولار يومياً. وكان يبث أفكاره القومية والثورية عبر "صوت العرب"، مما هدد استقرار النظام السعودي.
*الوفاة المفاجئة*
في 28 سبتمبر 1970، كان عبد الناصر يشارك في قمةٍ عربيةٍ في القاهرة لوقف إطلاق النار بين الأردن والفلسطينيين (أحداث أيلول الأسود). وبعد انتهاء القمة، عاد إلى منزله. في الصباح الباكر من اليوم التالي، أُعلن عن وفاته إثر أزمةٍ قلبيةٍ حادة.
كان عبد الناصر يتمتع بصحةٍ جيدة نسبياً. وكان عمره 52 عاماً فقط. ولم تكن لديه تاريخٌ مرضيٌ مع القلب يُبرر الوفاة المفاجئة بهذه السرعة.
جنازة جمال عبد الناصر 1970 — أكبر جنازة في التاريخ المصري، وفاة مريبة تساورها الشكوك حول دورٍ سعودي
*الشكوك التي لا تموت*
تساور الشكوك الكثير من الكتاب والمحللين السياسيين العرب حول طبيعة وفاة عبد الناصر. فقد رأت الرياض في الزعيم المصري — الذي كان يُهيمن على المشهد العربي ويُهدد وجود السعودية — عدواً يجب التخلص منه.
بحسب رواياتٍ سياسية واسعة الانتشار في الأوساط العربية، لم تكن وفاة عبد الناصر "طبيعية" بالمعنى الكامل للكلمة. فقد كان هناك — بحسب هذه الروايات — من له مصلحةٌ في رحيل الزعيم المصري قبل أن يُكمل مشروعه القومي.
لكن هذه الاتهامات تظل في إطار التحليل السياسي والتساؤلات التاريخية.
ومع ذلك، تبقى الأسئلة قائمة: هل كان التوتر الهائل من حرب اليمن والصراعات العربية الداخلية كافياً لإنهاء حياة رجلٍ في عزّ شبابه السياسي؟ أم كان هناك من ساعد القدر؟
*الفصل الثاني: صدام حسين — من صديق الحرب إلى عدو الإبادة*
*التحالف المريض*
في الثمانينيات، كانت السعودية و العراق حليفين ضد إيران. فقد دعمت الرياض صدام حسين مالياً وعسكرياً واستخباراتياً خلال الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988) التي استمرت ثماني سنوات. كان صدام — رغم كونه رئيساً لجمهوريةٍ عربية — حليفاً استراتيجياً للرياض في مواجهة "الخطر الإيراني".
لكن كل شيء تغير في الثاني من أغسطس 1990، عندما غزا صدام حسين الكويت. فقد تحول الحليف فجأة إلى عدوٍ وجودي. وقادت السعودية تحالفاً دولياً ضخماً — بدعمٍ أمريكي — لتحرير الكويت في حرب الخليج الثانية (يناير-فبراير 1991)، وكان الكثير من العرب قد وقفوا مع الكويت ورفضوا ماقام به صدام حسين من احتلال الكويت ومنهم القيادة والشعب الجنوبي.
*الحصار والتدمير*
بعد حرب 1991، فرضت عقوباتٌ دوليةٌ مشددة على العراق دامت ثلاثة عشر عاماً. وظلت العلاقات السعودية-العراقية منقطعة تماماً. وخلال هذه الفترة، كانت السعودية من أكبر الداعمين لاستمرار العقوبات ومنع أي تخفيفٍ لها.
*الإطاحة الأمريكية والدور السعودي*
في العشرين من مارس 2003، غزت القوات الأمريكية العراق بذريعة امتلاك أسلحةٍ دمارٍ شامل. وسقطت بغداد في التاسع من أبريل. وأُلقي القبض على صدام حسين في الثالث عشر من ديسمبر 2003 في حفرةٍ صغيرةٍ قرب تكريت. وأُعدم في الثلاثين من ديسمبر 2006.
*القبض على صدام حسين 2003 — سقوط زعيم بمساعدة أمريكية، واتهامات بدورٍ سعودي في تسهيل الغزو*
تساور الشكوك الكثير من الكتاب والمحللين حول الدور السعودي في تسهيل الغزو الأمريكي. فقد رأت الرياض في صدام — بعد غزوه للكويت — عدواً لا يمكن التسامح معه. وبحسب رواياتٍ سياسية واسعة الانتشار:
- قدمت السعودية قواعدٍ عسكريةً للقوات الأمريكية استُخدمت لشن الغزو.
- زودت واشنطن بمعلوماتٍ استخباراتيةٍ عن تحركات الجيش العراقي.
- دعمت سياسياً — عبر منابرها الإعلامية والدبلوماسية — التبريرات الأمريكية للحرب.
- عملت على عزل العراق دولياً خلال سنوات التسعينيات.
وقد أظهرت تقارير لجنة التحقيق في أسلحة العراق التدمير الشامل (لجنة كاي) أن الذريعة الأمريكية للحرب كانت مبنيةً على معلوماتٍ خاطئة.
*السؤال الذي يبقى: هل كانت السعودية مجرد متفرجٍ سعيدٍ بسقوط عدوها؟ أم كانت شريكاً فاعلاً في المؤامرة التي أدت إلى تدمير دولةٍ عربيةٍ وتفكيك مجتمعٍ بأكمله؟*
*الفصل الثالث: معمر القذافي — نهايةٌ دمويةٌ في سرت*
*العدو المعلن للسعودية*
لم يكن العقيد معمر القذافي مجرد حاكمٍ لليبيا. كان الزعيم الذي أطاح بالملكية في ليبيا عام 1969، وأعلن "الجماهيرية" نظاماً جديداً. وكان الرجل الذي تبنى خطاباً ثورياً معادياً للنظام السعودي، واتهم السعودية بتبعيتها للغرب.
في قمةٍ عربيةٍ عام 2009، وصف القذافي الملك عبدالله بن عبدالعزيز بـ"خائن" و"عميل للبريطانيين والأمريكيين"، ما أدى إلى انسحاب السعودية من القمة وقطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين،وكان الملك عبدالله قد هدد القذافي بشكل علني في ملاسنة مباشرة بينه وبين القذافي، شهدها الملايين من العرب الذين تابعوا القمة.
*الربيع العربي والتدخل*
عندما اندلعت الاحتجاجات الليبية في فبراير 2011، تحولت بسرعة إلى صراعٍ مسلح. وفي 17 مارس 2011، أصدر مجلس الأمن الدولي القرار 1973 الذي فرض حظر جوي على ليبيا. وبدأ التدخل العسكري الدولي — بقيادةٍ فرنسية-بريطانية-أمريكية — في 19 مارس.
انضمت السعودية إلى المجتمع الدولي في دعم التدخل. لكن الاتهامات تساور الشكوك الكثير من الكتاب والمحللين حول دورٍ أكبر لعبته الرياض.
*القتل في سرت*
في العشرين من أكتوبر 2011، قُتل معمر القذافي في شوارع مدينته سرت على يد مقاتلين من "ثوار" ليبيا. لكن الروايات حول مقتله تتضارب: بعضها يتحدث عن إعدامٍ ميدانيٍ، وبعضها يشير إلى تورطٍ أجنبي.
*تساور الشكوك الكثير من الكتاب والمحللين حول دورٍ سعودي في الإطاحة بالقذافي. فقد كان القذافي — بحسب هذه الروايات — يمثل تهديداً فكرياً وسياسياً للنظام السعودي. فقد دعا علناً إلى إسقاط النظام السعودي ، ودعم حركاتٍ معارضةٍ، وكان يمتلك أموالاً طائلةً يمكن أن يستخدمها ضد الرياض.*
بحسب رواياتٍ سياسية واسعة الانتشار، دعمت السعودية — عبر تمويلٍ واستخبارات — التدخل العسكري الذي أدى إلى مقتل القذافي. فقد رأت الرياض في سقوط الزعيم الليبي فرصةً للتخلص من عدوٍ لدودٍ يُهدد شرعية النظام الملكي.
*الفصل الرابع: إبراهيم الحمدي — إعادة ربط الخيوط*
من اليمن إلى السعودية وبالعكس
في الحلقة الأولى من تحقيقنا، تناولنا اغتيال الرئيس اليمني إبراهيم الحمدي في 11 أكتوبر 1977. لكن من المهم إعادة ربط هذه الجريمة بسياقٍ أوسع: إبراهيم الحمدي لم يكن مجرد زعيمٍ يمني. كان رمزاً لمشروعٍ عربيٍ يهدف إلى بناء دولٍ حديثةٍ مستقلةٍ عن التبعية الخارجية.
*كان الحمدي يبني جيشاً وطنياً قوياً. وكان يعمل على تقليص نفوذ القبائل المدعومة سعودياً. وكان يهدف إلى استقلال القرار اليمني.*
كل ذلك جعله — في نظر الرياض — عدواً يجب التخلص منه. وبحسب رواياتٍ يمنية واسعة الانتشار، لم يكن اغتيال الحمدي مجرد جريمةٍ داخلية، بل كان جزءاً من نمطٍ أوسع يستهدف كل زعيمٍ عربيٍ يتحدى الهيمنة السعودية.
*الخلاصة: نمطٌ أم مصادفة؟*
*عندما نجمع الحالات الأربع — عبد الناصر وصدام حسين والقذافي والحمدي — نجد ثوابتً مشتركة:*
أولاً: كلهم كانوا زعماءً جمهوريين (أو قوميين) يمثلون تهديدًا للنظام السعودي كما يدعي النظام السعودي وشكل هولاء الزعماء كابوسًا مزعجًا ومخيفًا للنظام السعودي أو ما يعرف بفوبيا الزعماء للنظام السعودي، أو عقدة الزعامة" التي تساور النظام السعودي.
ثانياً: كلهم كانوا أعداءً للنظام السعودي، سواء بالكلمة أو بالفعل.
ثالثاً: كلهم رحلوا بشكلٍ مفاجئٍ أو دمويٍ، تاركين بلدانهم في فوضى، وهناك من يقول إن السعودية تمتلك القدرة على تخريب الأوطان وقتل زعمائها، ولكن لا تستطيع على إخراج الأوطان من أزماتها، لأنها لا تريد أنظمة عربية قوية سواء كانت جمهورية أو ملكية.
رابعاً: في كل حالة، كانت السعودية مستفيدةً من الرحيل.
*هل هذا نمطٌ أم مصادفة؟ هل كانت الرياض مجرد متفرجةٍ سعيدةٍ بسقوط أعدائها؟ أم كانت — في بعض الحالات على الأقل — تسحب الخيوط من وراء الستار؟*
الإجابة الكاملة قد تبقى مدفونةً في أدراج المخابرات. لكن السؤال نفسه يكفي ليفضح "عقدة الزعامة" السعودية: نظامٌ لا يقبل بوجود زعيمٍ عربيٍ يتحدى هيمنته، ولا يتورع — نظرياً على الأقل — عن استخدام كل الوسائل للتخلص منه.
*في الحلقة القادمة: "الجمهوريات العربية — من صديق إلى جثة"*
سنتناول العلاقات السعودية مع العراق (من التحالف إلى العداء)، وليبيا (من الصراع إلى التدخل)، وسوريا (من التوتر إلى محاولة الإسقاط).
ملاحظة تحريرية: هذا التحقيق يستند إلى المصادر التاريخية المتاحة. الاتهامات حول دور السعودية في وفاة عبد الناصر أو اغتيال القذافي أو إطاحة صدام حسين تساورها الشكوك في الأدبيات السياسية العربية، ويظل البحث عن الحقيقة مسؤوليةً مشتركةً للباحثين والمؤرخين.
*إعداد د. فؤاد علي ناصر الحاج*