زهرة واحدة.. ثروتان مختلفتان: كيف يصنع الياسمين المصري ثروة العطور الفرنسية؟

الثلاثاء - 25 أغسطس 2026 - الساعة 11:00 م بتوقيت العاصمة عدن

عدن سيتي-متابعات



كشف الياسمين، أحد أهم مكونات صناعة العطور الفاخرة عالمياً، عن مفارقة لافتة في سلسلة الإمداد العالمية؛ فبينما تحولت مدينة غراس الفرنسية إلى مركز لصناعة القيمة والعلامات التجارية، بقيت قرية شبرا بلولة المصرية مصدراً للمواد الخام والعمل منخفض الأجر.
امتدت رحلة الياسمين من تلال غراس جنوب فرنسا إلى حقول دلتا النيل في الغربية، حيث يشكل الطرفان الركيزتين الأساسيتين لسوق Jasminum grandiflorum العالمي، لكنهما يشغلان موقعين مختلفين تماماً على سلم القيمة الاقتصادية. ففي حين تستفيد غراس من الإرث الثقافي والهوية التجارية، تعتمد شبرا بلولة على إنتاج الزهور وجمعها في ظروف عمل شاقة وبعوائد محدودة.
قصص اقتصادية حرب إيران ترامب يستهدف شرايين التجارة الإيرانية.. هذه الدول الأكثر عرضة للعقوبات الأميركية
غراس.. من الزهور إلى العلامات التجارية
احتفظت غراس بلقب "عاصمة العطور العالمية" رغم التراجع الكبير في زراعة الزهور العطرية. فبعد أن كانت تحيط بها أكثر من ألفي هكتار من حقول الياسمين والورد والزهور العطرية مطلع القرن العشرين، تقلصت المساحات المزروعة بالياسمين اليوم إلى نحو 40 هكتاراً فقط، معظمها مرتبط بعقود حصرية مع دور عطور كبرى مثل ديور وشانيل، وفقاً لما ذكره موقع "The Contrapuntal"، واطلعت عليه "العربية Business".
أعادت مجموعة Fleurs d’Exception du Pays de Grasse، التي تأسست مطلع الألفية الجديدة، صياغة نموذج العمل من الإنتاج الكمي إلى تسويق "القصة". وجرى التركيز على التراث الزراعي والجمع اليدوي والشهادات العضوية وخصوصية المنطقة الجغرافية لرفع قيمة المنتج.
ارتفع عدد المنتجين المشاركين في هذه المبادرات من منتجين فقط إلى 43 منتجاً موزعين على 26 مزرعة، إلا أن إنتاج غراس لا يمثل سوى 0.01% من الإنتاج العالمي للياسمين. ورغم ذلك، يباع الكيلوغرام من زهورها بين 87 و107 يوروهات بفضل القيمة الرمزية والتسويقية المرتبطة بها.
برزت شبرا بلولة بمحافظة الغربية بوصفها أكبر مناطق إنتاج الياسمين في العالم، حيث أصبحت مصر منذ مطلع الألفية المورد الأول عالمياً لزهور Jasminum grandiflorum متجاوزة الهند.
تطورت زراعة الياسمين في المنطقة بعد تراجع هيمنة القطن خلال ستينيات القرن الماضي، حين اتجه المزارعون إلى محاصيل تصديرية جديدة. ولعبت عائلة فخري دوراً محورياً في تأسيس صناعة الياسمين المحلية، بعدما أنشأ حسين فخري أول مصنع لاستخلاص الزيوت العطرية عقب عودته من فرنسا.
حافظت العائلة على نفوذها الاقتصادي رغم تراجع ملكيتها الزراعية بعد ثورة 1952. ووفقاً لمصادر محلية ونقابية، لا تزال شركة "فخري" تعالج نحو 75% من إنتاج مصر من الياسمين، باستقبال يتراوح بين 12 و15 طناً من الزهور يومياً خلال الموسم.
فرضت زراعة الياسمين تكاليف مرتفعة على المزارعين مقارنة بالمحاصيل الأخرى. فقد وصل إيجار القيراط إلى ما بين 7 و8 آلاف جنيه للموسم، بما يعني أن تكلفة إيجار الفدان قد تبلغ نحو 168 ألف جنيه سنوياً، أي أكثر من خمسة أضعاف إيجار بعض المحاصيل المنافسة في المنطقة.
تعرض المزارعون لضغوط إضافية عند بيع المحصول، إذ يحصل الوسطاء على عمولات من المصانع ويقتطعون خصومات مرتبطة بجودة الزهور. ورغم نجاح احتجاجات المزارعين هذا العام في رفع سعر الكيلوغرام إلى 105 جنيهات، مقارنة بنحو 45 جنيهاً في الموسم السابق، يرى كثيرون أن العائد لا يزال غير متناسب مع الجهد والتكاليف.
احتجاجات كسرت الصمت
أشعلت أزمة الأسعار وتأخر مستحقات المزارعين موجة احتجاجات في بداية موسم 2025، بعدما امتنع العمال عن جني المحصول وإرساله إلى المصانع لمدة أسبوعين تقريباً للمطالبة بتسعير عادل.
دفعت الاحتجاجات محافظة الغربية والحكومة المصرية إلى التدخل، في استجابة نادرة سلطت الضوء على قطاع ظل بعيداً عن الاهتمام الإعلامي رغم مساهمته في تزويد صناعة العطور العالمية بمادة أساسية.
عطر واحد وقيمتان مختلفتان
عكست المقارنة بين غراس وشبرا بلولة فجوة أوسع داخل الاقتصاد العالمي؛ فبينما تبني فرنسا قيمة الياسمين عبر السردية والتسويق والهوية الثقافية، يظل الجزء الأكبر من العمل والإنتاج الفعلي متمركزاً في الحقول المصرية.
أظهرت صناعة الياسمين أن القيمة لا تتحدد فقط بمكان الإنتاج أو الجهد المبذول، بل بمن يملك العلامة التجارية والقصة التي تُروى للمستهلك النهائي. فالعطر الذي يبدأ رحلته في حقول دلتا النيل يكتسب قيمته الحقيقية في مصانع ودور العطور الأوروبية.
جسدت شبرا بلولة وغراس وجهين لسلسلة واحدة؛ الأولى تنتج الزهور، والثانية تحولها إلى رمز للرفاهية. وبينهما تمتد فجوة اقتصادية تجعل الياسمين أكثر من مجرد رائحة زكية، بل مثالاً على كيفية توزيع القيمة والثروة داخل الاقتصاد العالمي.

متعلقات