استعادة الدولة الجنوبية: من نقد التجربة إلى تصحيح المسار : رسالة نصح إلى المجلس الانتقالي الجنوبي

السبت - 22 أغسطس 2026 - الساعة 10:27 م بتوقيت العاصمة عدن

الجزائر " عدن سيتي " د توفيق حوزليت







استعادة الدولة الجنوبية: من نقد التجربة إلى تصحيح المسار : رسالة نصح إلى المجلس الانتقالي الجنوبي
منذ فترة وأنا أتردد في صياغة مقال نقدي يتناول مسار المجلس الانتقالي الجنوبي، ليس من منطلق الخصومة معه، ولا بهدف التشكيك في القضية الجنوبية أو إضعاف مشروع استعادة الدولة، وإنما انطلاقاً من قناعة بأن المرحلة الراهنة تفرض على قيادة المجلس وقفة مراجعة صريحة وموضوعية وشجاعة.
فالأوضاع التي يعيشها الجنوب، وما يحيط بالقضية٦ الجنوبية من تعقيدات داخلية وإقليمية ودولية، لم تعدا تسمح بالمجاملة السياسية أو بتأجيل الأسئلة الصعبة. فالمرحلة الجديدة تتطلب من القيادة الجنوبية أن تتوقف أمام تجربتها، وأن تسأل بوضوح: أين نجحنا؟ أين أخفقنا؟ ما الأخطاء التي ارتكبناها؟ وما الذي ينبغي تغييره حتى نتمكن من تحقيق الهدف الذي من أجله نشأ المجلس؟

إن أبرز إخفاقاته كانت في إدارة القضية الجنوبية كقضية وطنية شاملة، وليس فقط في الجانب العسكري.
وأبرزها:
* عدم توحيد المكونات الجنوبية حول مشروع سياسي واحد.
* عدم استيعاب خصوصية حضرموت والمهرة وشبوة وأبين ضمن رؤية جنوبية متوازنة.
* ضعف بناء المؤسسات الجنوبية القادرة على تقديم نموذج دولة فعّال.
* ضعف العمل الدبلوماسي والقانوني الدولي؛ إذ لم تتحول القضية الجنوبية إلى ملف دولي متكامل ومقنع.
* عدم استثمار الإرث القانوني والسياسي لدولة الجنوب السابقة بما يكفي في الخطاب الدولي.
* عدم بناء استراتيجية واضحة للانتقال من المقاومة إلى الدولة.
* ضعف التواصل مع القوى الدولية والمنظمات الدولية، مقارنة بحجم القضية وأهميتها الجيوسياسية.
* التأخر في إدراك أن المعركة الحقيقية ليست عسكرية فقط، بل معركة شرعية واعتراف دولي.

علما ان أكبر فشل للمجلس الانتقالي كان أنه امتلك أدوات القوة قبل أن يكتمل لديه مشروع الدولة. استطاع أن يصبح لاعباً جنوبياً رئيسياً، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في تحويل القضية الجنوبية إلى مشروع وطني جنوبي جامع، مستقل القرار، ومؤسس قانونياً ودبلوماسياً على المستوى الدولي

لهذا و ذاك فان الدفاع الحقيقي عن المشروع الجنوبي يقتضي الحرص على تطوير أدواته السياسية والمؤسسية والدبلوماسية والقانونية.ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه ليس: هل نؤيد المجلس الانتقالي أم نعارضه؟ وإنما: كيف يمكن للمجلس أن يطور أداءه ويصبح أكثر قدرة على قيادة المشروع الجنوبي نحو تحقيق أهدافه؟

لماذا النقد الذاتي الآن : لأن المرحلة الحالية مختلفة عن المراحل السابقة.لقد أثبت المجلس خلال السنوات الماضية قدرته على الحضور السياسي والعسكري والشعبي، واستطاع أن يجعل القضية الجنوبية حاضرة في المعادلة اليمنية والإقليمية. وهذه إنجازات ينبغي الاعتراف بها وعدم إنكارها.لكن الإنجازات لا تعني أن التجربة كانت خالية من الأخطاء، كما أن استمرار التحديات لا يعني بالضرورة فشل المشروع . فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من إثبات الوجود السياسي إلى إثبات القدرة على بناء مشروع دولة.
.
.هل يمتلك المجلس رؤية استراتيجية واضحة ومحددة لاستعادة الدولة؟
هل لديه مؤسسات متخصصة قادرة على إعداد الملفات القانونية والدبلوماسية والاقتصادية؟
هل يمتلك استراتيجية واضحة للتعامل مع الأمم المتحدة والقوى الدولية؟
هل يستطيع بناء توافق جنوبي واسع يتجاوز حدود التنظيم؟
وهل يقدم نموذجاً للحكم والإدارة يمكن أن يشكل صورة عملية للدولة الجنوبية المستقبلية؟
هذه الأسئلة وغيرها تحتاج إلى إجابات صريحة.
من أهم الملفات التي ينبغي أن تتصدر عملية المراجعة قضية وحدة الصف الجنوبي. و من هذا المنطلق تتوفر حضرموت تحديداً أهمية استثنائية بسبب ثقلها التاريخي والجغرافي والاقتصادي والاستراتيجي. ولذلك فإن بناء تصور واضح لعلاقة حضرموت بالدولة الجنوبية المستقبلية، وضمان العدالة في السلطة والثروة، واحترام الخصوصيات المحلية، يمكن أن يكون عاملاً أساسياً في بناء الثقة الجنوبية.

المرحلة الآنية تتطلب بناء مؤسسات متخصصة وفاعلة في العلاقات الدولية، والقانون الدولي، والدراسات الاستراتيجية، والاقتصاد، والإعلام، والدبلوماسية العامة، والتواصل مع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية. القضية الجنوبية تحتاج إلى عقول ومؤسسات وملفات وخطط بقدر حاجتها إلى المواقف السياسية. والانتقال من العمل القائم على ردود الأفعال إلى العمل المؤسسي المنظم هو أحد أهم شروط النجاح في المرحلة المقبلة.

القضية الجنوبية لا يمكن أن تعتمد على الخطاب السياسي وحده. إنها تحتاج إلى ملف قانوني دولي متكامل يشرح تاريخ الدولة الجنوبية، ووضعها قبل الوحدة، وطبيعة اتفاق الوحدة، وحرب 1994، وتطور القضية الجنوبية، ومسألة تقرير المصير، والخيارات القانونية والسياسية المتعلقة بمستقبل الجنوب.كما تحتاج إلى دبلوماسية أكثر استباقية تجاه الأمم المتحدة، والولايات المتحدة، وبريطانيا، والاتحاد الأوروبي، وروسيا والصين، والدول العربية والأفريقية، ومراكز الدراسات وصناع القرار.

فالمعركة السياسية حول مستقبل الجنوب لن تُحسم فقط في الميدان، وإنما أيضاً في ميدان القانون والدبلوماسية والعلاقات الدولية وصناعة الصورة السياسية. إن الانتقال المطلوب هو من إدارة الواقع إلى صناعة المستقبل، ومن إثبات الوجود إلى إثبات القدرة، ومن العمل الفردي إلى العمل المؤسسي، ومن ردود الأفعال إلى المبادرة، ومن الخطاب السياسي إلى المشروع المتكامل للدولة

متعلقات