الفنان القدير/ محمد عبده زيدي النورس اللحجي وعندليب عدن الأسمر

السبت - 22 أغسطس 2026 - الساعة 08:13 ص بتوقيت العاصمة عدن

عدن " عدن سيتي " فكرم مقبل لبجر "حلقة خاصة"






الفنان القدير/ محمد عبده زيدي
النورس اللحجي
وعندليب عدن الأسمر



ليست كل الحكايات الفنية تبدأ من المدن الكبيرة وليست كل الأصوات التي تركت بصمتها في ذاكرة الناس ولدت في المكان الذي اشتهر باسمها فكم من موهبة خرجت من بيئة بسيطة ثم شقت طريقها حتى أصبحت جزءاً من تاريخ الفن وكم من صوت حمل ملامح مدينته معه ثم تجاوز حدود المكان ليصبح ملكاً للناس جميعاً
وفي حكايتنا اليوم نعود إلى لحج المحروسة بالله تعالى ونفتح واحدة من صفحاتها الفنية المضيئة تلك الصفحة التي خرج منها النورس اللحجي وذلك الصوت الجميل الذي حملته الظروف في طفولته للمغادرة إلى عدن وهناك وجد الموسيقى تنتظره في مدرسة بازرعة فكان لقاؤه الأول مع عالم النغم بداية لحكاية طويلة اختصرها العمر ووسعتها الموهبة

إنه الفنان القدير الراحل/ محمد عبده زيدي
النورس اللحجي
ذلك الفنان الذي لم يكن مجرد مطرب يقف أمام الميكروفون ليؤدي الكلمات والألحان وإنما كان موسيقياً متكاملاً وملحناً وعازفاً وقائداً لفرقة موسيقية ومهندس صوت ومخرجاً ومشرفاً على الموسيقى وصاحب رؤية فنية جعلته واحداً من فرسان التجديد في الأغنية اليمنية الحديثة

وإذا كانت عدن قد احتضنت تجربته الفنية وفتحت أمامه أبواب الإذاعة والتلفزيون والمسرح فإن جذوره الأولى تعود إلى مدينة الحوطة عاصمة لحج حيث ولد في زاوية من زوايا قرية الهجل ونشأ فيها سنوات طفولته الأولى قبل أن تقوده الظروف الأسرية إلى مدينة عدن

- ومن هناك بدأت الحكاية
حكاية فنان لم يكن عمره طويلاً بما يكفي ليقدم كل ما كان قادراً على تقديمه لكنه استطاع خلال تسعة وأربعين عاماً فقط أن يترك من الأغنيات والألحان والتجارب الموسيقية ما جعله حاضراً في ذاكرة الفن اليمني حتى يومنا هذا
لقد كان الفنان محمد عبده زيدي واحداً من الأصوات التي حملت الحب والحنين والسعادة والعتاب إلى المستمعين كما حملت الأغنية الوطنية إلى ساحات المناسبات والاحتفالات وكان في كل ذلك يبحث عن التجديد دون أن يفقد روح الأغنية اليمنية وخصوصيتها
ولهذا بقي اسمه حاضراً كلما تحدثنا عن الأغنية العاطفية العدنية وكلما عدنا إلى مرحلة التجديد الموسيقي التي شهدتها عدن في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات

- مكان وتاريخ الميلاد
ولد الفنان القدير/ محمد بن محمد عبده زيدي في السادس من فبراير عام 1944م في قرية الهجل محافظة لحج المحروسة بالله تعالى
وتحدثت مراجع أخرى ان ميلادة كان في حوطة لحج المحروسة بالله تعالى
وفي طفولته انتقل مع والدته وأخته إلى مدينة عدن نتيجة ظروف أسرية وعاش في كريتر وتحديداً في حافة القاضي وهناك بدأت مرحلة جديدة من حياته الإنسانية والفنية

وكان انتقاله إلى عدن أشبه بالقدر الذي قاده دون أن يدري إلى واحدة من أهم البيئات الثقافية والفنية في جنوب اليمن في ذلك الزمن
ففي عدن وجد المدرسة والموسيقى والفرقة والإذاعة والفنانين الكبار ووجد أمامه أبواباً واسعة كان يمكن لموهبته أن تعبر منها إلى فضاء أرحب

وهناك التحق عام 1955م بمدرسة بازرعة الخيرية الإسلامية التي كانت واحدة من المؤسسات التعليمية المهمة في عدن والتي احتضنت إلى جانب التعليم نشاطاً موسيقياً مميزاً
ومن خلال قسم الموسيقى في المدرسة بدأت علاقته الحقيقية بعالم النغم

وكان من أبرز من أسهموا في رعايته وتوجيهه الفنان القدير/ يحيى مكي والموسيقار الكبير/ أحمد بن أحمد قاسم
وهنا بدأ الطفل الموهبة محمد عبده زيدي يكتشف نفسه ويكتشف أن الموسيقى ليست مجرد هواية عابرة وإنما عالم كامل يمكن أن يعيش فيه ويصنع من خلاله مستقبله

- بداياته في طريق الفن
كان حب الموسيقى يسكن الزيدي منذ طفولته وكان شديد التعلق بفرقة مدرسة بازرعة الموسيقية ويتابع تدريباتها بشغف كبير
وتشير الروايات التي تناولت طفولته إلى أنه كان يحاول الاقتراب من الفرقة والاستماع إلى تدريباتها حتى قبل أن يسمح له صغر سنه بالانضمام إليها

ثم جاءت الفرصة التي كان ينتظرها فالتحق بالفرقة وبدأ يتعلم العزف ويقترب أكثر من عالم الموسيقى
ولم يكن طموحه يتوقف عند آلة واحدة فقد تعلم العزف على عدد من الآلات الموسيقية وأظهر قدرة لافتة على استيعاب الألوان الموسيقية المختلفة

وكان الكمان واحداً من الآلات التي ارتبط بها بصورة خاصة إلى جانب الآلات النحاسية وغيرها
وقد ظهر نبوغه الموسيقي في سن مبكرة حتى أصبح مؤهلاً لقيادة الفرقة الموسيقية المدرسية وهو لا يزال في مقتبل العمر
وكان ذلك مؤشراً مبكراً على شخصية موسيقية لا تكتفي بالتعلم وإنما تسعى إلى القيادة والتطوير وصناعة رؤية خاصة

وفي عام 1961م ارتبط اسمه بقيادة الفرقة الموسيقية الحديثة التي أصبحت واحدة من المحطات المهمة في تجربته الموسيقية

- الزيدي من العزف إلى القيادة الموسيقية
لم يكن محمد عبده زيدي مطرباً بدأ حياته بالغناء ثم تعلم الموسيقى وإنما كانت الموسيقى هي الباب الأول الذي دخل منه إلى عالم الفن
وهذا ما يفسر شخصيته المختلفة في التعامل مع الأغنية
فقد كان ينظر إليها بعين الموسيقي قبل أن ينظر إليها بعين المطرب
وكان يهتم بالبناء الموسيقي وتوزيع الجمل والإيقاعات وطريقة دخول الآلات وتداخلها مع صوت المغني

ولهذا لم تكن ألحانه مجرد ألحان بسيطة ترافق الكلمات وإنما كانت في كثير من الأحيان تحمل بناءً درامياً واضحاً يجعل المستمع يعيش مع النص ويتابع تطور حالته الشعورية
وهذه واحدة من أهم الخصائص التي جعلت تجربة الزيدي مختلفة عن كثير من أبناء جيله

- السفر إلى القاهرة
في عام 1964م غادر محمد عبده زيدي إلى القاهرة لدراسة الاتصالات السلكية واللاسلكية وحصل على دبلوم عالٍ بامتياز من معهد اللاسلكي للراديو والتلفزيون

لكن القاهرة بالنسبة إليه لم تكن مجرد محطة دراسية
فقد كانت مدينة تعج بالموسيقى والفن وكانت في ذلك الوقت واحدة من أهم عواصم الثقافة العربية
وهناك وجد الزيدي فرصة واسعة للنهل من الموسيقى العربية الحديثة والتعرف عن قرب على تجارب كبار الملحنين والموسيقيين
وتأثر بعدد من الأسماء الموسيقية الكبيرة وفي مقدمتهم الموسيقار والموسيقار محمد الموجي والموسيقار رياض السنباطي وغيرهما

ومن القاهرة عاد وهو أكثر وعياً بالموسيقى وأكثر قدرة على التعامل معها بصورة مختلفة
وكانت تلك المرحلة بمثابة جسر انتقل عبره من مرحلة العازف وقائد الفرقة إلى مرحلة الملحن صاحب الشخصية المستقلة

- أيام تمر وتدور
عندما نصل إلى أغنية/ أيام تمر وتدور فإننا نصل إلى واحدة من أهم المحطات في تاريخ محمد عبده زيدي الفني
فقد كانت هذه الأغنية من كلمات الشاعر/ محمد عبدالله بامطرف وبمثابة أولى التجارب المهمة التي أعلن من خلالها الزيدي عن نفسه ملحناً صاحب رؤية خاصة

وكانت هذه التجربة نقطة تحول حقيقية في حياته الفنية
فمن بعدها بدأ اسمه يبرز بصورة أكبر وبدأت ملامح مدرسته الموسيقية الخاصة تتشكل شيئاً فشيئاً

وقد حملت الأغنية إحساساً خاصاً بالحنين والتأمل وكانت نموذجاً مبكراً على قدرته في تحويل الكلمة إلى حالة موسيقية متكاملة
ومن هنا بدأ مشواره الحقيقي مع التلحين والغناء وأخذ يقدم أعمالاً رسخت اسمه بين كبار المجددين في الأغنية اليمنية الحديثة

- الزيدي والأغنية العاطفية
إذا كان هناك لون ارتبط باسم الفنان محمد عبده زيدي بصورة واضحة فهو اللون العاطفي
فقد امتلك صوتاً دافئاً شجياً فيه مسحة من الحزن والحنين لكنه لم يكن صوتاً غارقاً في الشكوى والنواح
بل كان يحمل الحب والوفاء والاشتياق والسعادة والعتاب والمصالحة والبحث عن الحياة
ولهذا جاءت أعماله العاطفية مختلفة في موضوعاتها وألحانها
وكان الزيدي يعرف كيف يجعل من الأغنية العاطفية مساحة للتعبير عن الإنسان ومشاعره دون أن يفقدها جمالها الموسيقي
ومن أشهر الأعمال التي ارتبطت بصوته وألحانه:

- أيام تمر وتدور
- يا قلبي كفاية
- أغلى حب
- ورأسك
- فقدان كثير
- أنا عارف ظروفك
- عتاب
- السعادة
- أعلنها صراحة
- براعي لك
- أحلف بحسنك
- أنت لي دايم
- يا ذكره حبك
- جميل الوجه والقامة
-:صابر
- الدودحية
- غزير السلى
- أحبك أحبك
- حبني ما تحبنيش
- الشك عني يبعدك
- نسيت اللي اتفقنا عليه
- يا حبيب العمر أحبك
- تعال
- مش عارف أقول لك
- كفاية حب
وغيرها من الأعمال التي بقيت حاضرة في الذاكرة الفنية اليمنية

- الفنان / محمد عبده زيدي والشاعر / مصطفى خضر
ومن أجمل الصفحات في تجربة محمد عبده زيدي علاقته بالشاعر الكبير/ مصطفى خضر
فقد جمع الرجلين تعاون فني عميق تحول إلى واحد من أجمل الثنائيات في الأغنية اليمنية الحديثة
كانت الكلمة عند مصطفى خضر تجد عند الزيدي لحناً يحتضنها وصوتاً يمنحها الحياة
ولذلك جاءت أعمالهما معاً حافلة بالإحساس والدفء والقدرة على الوصول إلى المستمع
ومن الأعمال التي ارتبطت بهذا التعاون:
- يا قلبي كفاية
- أغلى حب
- ورأسك
- فقدان كثير
- أنا عارف ظروفك
- عتاب
- السعادة
- أعلنها صراحة
- براعي لك
- نسيت اللي اتفقنا عليه
وقد أصبحت بعض هذه الأعمال جزءاً من الذاكرة العاطفية لجيل كامل من المستمعين

وكانت أغنية/ السعادة واحدة من أبرز ثمار هذه العلاقة الفنية والإنسانية التي كشفت عن قدرة الزيدي على تحويل الكلمة العاطفية إلى عمل موسيقي يحمل الفرح والحياة

- الزيدي والشعراء
لم يحصر محمد عبده زيدي تجربته في شاعر واحد وإنما فتح قلبه وصوته أمام مدارس شعرية متعددة
فتعاون مع عدد كبير من الشعراء والأدباء ومن بينهم:

- الشاعر/ محمد سيف كبشي
- الشاعر/ ناصر علوي الحميقاني
- الشاعر/ أحمد ناصر الحماطي
- الشاعر/ أحمد شريف الرفاعي
- الشاعر/ لطفي جعفر أمان
- الشاعر/ محمد عبدالله بامطرف
- الشاعر/ طه أمان
- الشاعر/ أحمد بو مهدي
-؛الشاعر/ عبدالله عبدالكريم
- الشاعر/ علي محمد لقمان
- الشاعر/ يوسف مهيوب سلطان
- الشاعر/ محمد سعيد جرادة
- الشاعر/ سعيد الشيباني
- الشاعر/ أحمد سيف ثابت
- الشاعر/ نزار قباني
وغيرهم من الشعراء الذين وجدوا في صوت الزيدي والملحن الزيدي مساحة رحبة لتقديم النصوص الغنائية

كما ارتبط بعدد من الأعمال مع الشاعر الأمير/ صالح مهدي العبدلي ومن بينها:
- أحلف بحسنك
- أنت لي دايم
- يا ذكره حبك
- جميل الوجه والقامة
وغيرها من الأعمال

وهذا التنوع الشعري يؤكد أن الزيدي لم يكن أسير مدرسة شعرية واحدة وإنما كان قادراً على التعامل مع النص الشعبي والعاطفي والوطني والحديث

- الزيدي واللحن
كان محمد عبده زيدي ملحناً قبل أن يكون مطرباً في كثير من تجاربه
وكانت لديه قدرة واضحة على التقاط روح النص وتحويله إلى جملة موسيقية تخدم المعنى ولا تطغى عليه
ومن الأعمال التي ارتبطت بألحانه:

- أيام تمر وتدور
- أغلى حب
- فقدان لك
-؛السعادة
- لا تتعب نفسك
- ورأسك
- يا قلبي كفاية
- أنا عارف ظروفك
- أنت لي دايم
- يا ذكره حبك
- جميل الوجه والقامة
- الدودحية
- غزير السلى
- أحبك أحبك
- حبني ما تحبنيش
- الشك عني يبعدك
- نسيت اللي اتفقنا عليه
- يا حبيب العمر أحبك
- تعال
- مش عارف أقول لك
- براعي لك
- كفاية حب
وغيرها من الأعمال التي أكدت أن الزيدي لم يكن مجرد مؤدٍ للأغنية وإنما كان أحد صناعها

- الزيدي ورعاية الأصوات الغنائية
ومن الجوانب الجميلة في شخصية الفنان محمد عبده زيدي أنه لم يكن فناناً يبحث عن مجده الشخصي فقط
فقد أسهم في رعاية وتشجيع عدد من الأصوات الغنائية وقدم لبعضها ألحانه وخبرته الموسيقية

ومن الأصوات التي ارتبطت بتجربته:
- الفنانة/ رجاء باسودان
- الفنانة /صباح منصر
- والفنان/ جمال داؤد
- والفنان/ عصام خليدي
- والفنان/ محمد خميس
- والفنان/ ياسين العلس
- والفنان/ نجيب سعيد ثابت
- والفنانة/ كفى عراقي
وغيرهم
وكان هذا الدور امتداداً لطبيعته الموسيقية التي جعلته قريباً من المواهب الجديدة ومؤمناً بأن الفن الحقيقي لا يكتفي بصناعة فنان واحد وإنما يفتح الطريق أمام أجيال جديدة

- الفرقة الموسيقية الحديثة
ومن أهم المحطات في مسيرة الزيدي تأسيسه للفرقة الموسيقية الحديثة عام 1961م
وكانت هذه الخطوة من العلامات المهمة في حركة التجديد الموسيقي في عدن
فالفرقة لم تكن مجرد مجموعة عازفين وإنما كانت تجربة موسيقية جديدة تعكس التحولات التي كانت تشهدها الأغنية في تلك المرحلة
وكان الزيدي مؤسساً وقائداً وعازفاً فيها
ثم انتقلت قيادتها لاحقاً إلى الفنان الراحل/ علي محمد فقيه
وقد مثلت هذه الفرقة مدرسة عملية للعديد من الموسيقيين والعازفين الذين شاركوا فيها أو تأثروا بتجربتها

- الزيدي والأغنية الوطنية
لم يكن الفنان محمد عبده زيدي أسير الأغنية العاطفية فقط
فقد قدم كذلك عدداً كبيراً من الأغنيات والأناشيد الوطنية التي ارتبطت بالمناسبات الوطنية والتحولات التي شهدتها البلاد
ومن أبرزها:

- نوفمبر والتاريخ
- يا سلام يا تلال
- أنتم الآتي
- ملحمة السبعين يوماً
- الوصية
- ثورة بلادي
- رفيقة النضال
- انطلاق المارد
- قسماً بكل مناضل
- تحية الثورة
- 14 أكتوبر
- الانفجار
- لحن الاستقلال
- الراية
- والله بلدنا نورت
- يمانية
- يا جميلة
وغيرها من الأعمال الوطنية
وكان الزيدي في هذا اللون يخرج من هدوء الأغنية العاطفية إلى مساحة أكثر حماساً وقوة ويمنح صوته مساحة واسعة للتعبير عن الحماس والانتماء

- والله بلدنا نورت
وتبقى أغنية/ والله بلدنا نورت واحدة من الأعمال الوطنية التي ارتبطت بصورة خاصة بصوت محمد عبده زيدي
وهي من كلمات الشاعر/ عبدالله عبدالكريم
وقد استطاع الزيدي أن يمنحها لحناً وأداءً جعلها حاضرة في المناسبات والذاكرة الشعبية

وكانت هذه الأغنية نموذجاً على قدرته في التعامل مع النص الوطني بروح موسيقية حديثة مع الحفاظ على سهولة اللحن وقدرته على الوصول إلى الجمهور

- الزيدي والإذاعة والتلفزيون
لم تقتصر حياة محمد عبده زيدي على الغناء والعزف والتلحين
فقد جمع بين الجانب الفني والجانب المهني والتقني
وعمل في مجال الاتصالات السلكية واللاسلكية ثم انتقل إلى العمل في الإذاعة والتلفزيون
وعمل مهندساً للصوت ومخرجاً ومشرفاً على الموسيقى
كما ترأس دائرة الموسيقى في إذاعة وتلفزيون عدن
وتولى كذلك إدارة دائرة الفنون بوزارة الثقافة في فرع عدن
وشارك في إعداد وإخراج برامج فنية من بينها برنامج/ جنة الألحان

وكانت آخر وظائفه مستشاراً بوزارة الثقافة فرع عدن
وهذا الجانب من حياته يكشف عن شخصية فنية نادرة جمعت بين المعرفة الموسيقية والخبرة التقنية والعمل الإداري والإنتاج والإخراج والأداء

- الزيدي ومدرسة التجديد
لم يكن محمد عبده زيدي مجرد صاحب حنجرة جميلة
وكان هذا هو سر بقائه
فهو فنان كان يفكر في الأغنية قبل أن يغنيها
وكان يتعامل مع النص باعتباره حالة إنسانية تحتاج إلى لحن يترجم مشاعرها
ولهذا جاءت بعض ألحانه ذات بناء درامي واضح
فالمستمع لا يسمع مجرد كلمات تتبعها موسيقى وإنما يعيش حالة كاملة تتقدم معه من بداية الأغنية حتى نهايتها
وقد تناول عدد من النقاد والباحثين تجربته بوصفها تجربة تجديدية مهمة أسهمت في رسم ملامح الغناء اليمني في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات
وكان تأثره بالموسيقى العربية الحديثة واضحاً لكنه لم يكن نسخة من أحد
فقد أخذ من التجارب التي عرفها ما يخدم مشروعه ثم أعاد صياغته بروح يمنية وعدنية خاصة

- الزيدي وحكاية الحنين
في صوت محمد عبده زيدي شيء من الحزن الهادئ
ذلك الحزن الذي لا يصرخ وإنما يقترب من القلب بهدوء
ولهذا كانت أغنياته العاطفية قادرة على ملامسة المستمع لأنها لم تعتمد على القوة الصوتية وحدها وإنما على الإحساس
وفي أغنيات مثل/ أيام تمر وأغنيات الحب والحنين كان صوته يبدو وكأنه يحكي حكاية شخصية لا مجرد أغنية
وهذه واحدة من الخصائص التي جعلت المستمع يشعر بأن الزيدي يغني له وليس أمامه

- الزيدي في ذاكرة عدن
حين نذكر محمد عبده زيدي فإننا لا نستحضر مطرباً فقط وإنما نستحضر مرحلة كاملة من تاريخ عدن الفني
نستحضر كريتر ومدرسة بازرعة والإذاعة والتلفزيون والفرق الموسيقية والمجالس الفنية ونستحضر جيلاً من الشعراء والملحنين والمطربين الذين صنعوا معاً واحدة من أكثر مراحل الأغنية اليمنية حيوية وتجديداً
وفي قلب تلك المرحلة كان الزيدي واحداً من الأصوات التي حملت مشروعاً فنياً متكاملاً
كان صوته حاضراً
وكان لحانه حاضراً
وكانت خبرته الموسيقية حاضرة
وكان حضوره الإنساني حاضراً

ولهذا بقي اسمه بعد الرحيل
المرض والسنوات الأخيرة
لم تكن السنوات الأخيرة من حياة محمد عبده زيدي سهلة
فقد عانى من المرض الذي أقعده عن ممارسة نشاطه الفني وأبعده عن الحركة التي اعتادها
وتشير المصادر التي تناولت سيرته إلى أن المرض استمر معه لسنوات قبل وفاته وأصبح في فترة من حياته ملازماً للفراش
لكن علاقته بالفن لم تنقطع في وجدانه
وظلت الموسيقى جزءاً من حياته حتى الأيام الأخيرة
وقد واصل العمل وتسجيل بعض الأعمال خلال سنواته الأخيرة قدر استطاعته قبل أن يشتد عليه المرض

ومن الأعمال التي ارتبطت بسنواته الأخيرة/ لا تتعب نفسك من كلمات الشاعر/ لطفي جعفر أمان وكذلك أعمال أخرى حفظ بعضها ضمن أرشيف إذاعة وتلفزيون عدن

- محمد عبده زيدي في ميزان الفن
لقد كان محمد عبده زيدي مطرباً وملحناً وعازفاً وقائداً موسيقياً ومهندساً ومخرجاً ومشرفاً على الموسيقى
وكان في كل هذه الأدوار يحمل شيئاً واحداً لا يتغير
وهو عشقه للفن
ولهذا يمكن القول إن تجربته كانت أكبر من مجرد مجموعة أغنيات
لقد كانت مشروعاً فنياً ساهم في تحديث الأغنية اليمنية وفتح أمامها أبواباً جديدة
وكانت الأغنية عنده مساحة للحب
ومساحة للفرح
ومساحة للحنين
ومساحة للوطن
ومساحة للتجريب الموسيقي
ولهذا بقيت أغنياته حاضرة رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على رحيله

- الوداع
رحل الفنان الكبير/ محمد عبده زيدي في السادس والعشرين من ديسمبر عام 1993م بمدينة عدن بعد حياة لم تتجاوز التاسعة والأربعين عاماً
وكان رحيله خسارة كبيرة للحركة الفنية اليمنية
فقد غادر الدنيا في عمر كان لا يزال فيه قادراً على تقديم المزيد من الألحان والأغنيات والمشاريع الموسيقية
لكن الإنسان لا يقاس بطول العمر وحده
والفنان لا تقاس قيمته بعدد السنوات التي عاشها وإنما بما تركه من أثر
والزيدي ترك أثراً أكبر من سنوات عمره

- خاتمة
وهكذا نصل إلى نهاية حكاية فنان من أبناء لحج المحروسة بالله تعالى
فنان خرج من مدينة الحوطة في طفولته وحملته اجنحته إلى عدن وهناك وجد الموسيقى التي احتضنت موهبته ووجد الأساتذة الذين أسهموا في تشكيل شخصيته ووجد في القاهرة مساحة أخرى للتعلم والتجربة ثم عاد إلى وطنه ليقدم واحداً من أكثر المشاريع الفنية تميزاً في تاريخ الأغنية اليمنية الحديثة
إنه الفنان القدير الراحل/ محمد عبده زيدي
النورس الاحجي و عندليب عدن الأسمر
ذلك الصوت الذي لم يكن مجرد صوت جميل وإنما كان صوتاً يحمل قصة
ولحناً يحمل إحساساً
وموسيقى تحمل فكراً
وفناناً يحمل مشروعاً

رحم الله ذلك الطفل اللحجي الذي خرج من قرية الهجل ولم يكن يدري أن الأيام ستضعه في طريق الفن وأن مدرسة بازرعة ستفتح له باباً سيؤدي به إلى عالم واسع من الموسيقى والغناء

رحم الله ذلك الشاب الذي حمل طموحه إلى القاهرة فعاد منها أكثر معرفة وأكثر قدرة على صناعة اللحن
رحم الله الملحن الذي جعل من الكلمة حياة ومن الموسيقى جسراً ومن الأغنية مساحة يلتقي فيها القلب بالعقل
رحم الله المطرب الذي غنى للحب والحنين والسعادة والعتاب
ورحم الله الفنان الذي غنى للوطن والاستقلال والثورة والمناسبات الوطنية
ورحم الله الموسيقي الذي أسس فرقة وفتح الطريق أمام عازفين وأصوات جديدة
ورحم الله الإنسان الذي ظل وفياً لفنه حتى داهمه المرض وأقعده عن مواصلة المشوار

لقد رحل محمد عبده زيدي قبل أن يبلغ الخمسين
لكن عمره الفني كان أطول من عمره الزمني
ترك لنا أغنيات ما زالت تسمع
وألحاناً ما زالت تعيش
وأصواتاً ساهم في رعايتها
وتجربة موسيقية ما زالت تستحق الدراسة والإنصات
وترك لنا قبل كل ذلك درساً مهماً في معنى أن يكون الفنان صاحب مشروع لا مجرد صاحب صوت

فالفنان الحقيقي لا تنتهي حكايته حين يغيب
وإنما تبدأ مرحلة أخرى من حكايته حين تتولى أعماله الحديث عنه

وهكذا بقي الفنان المايسترو محمد عبده زيدي حاضراً
في أغنية/
- السعادة
- وفي أيام تمر وتدور
- وفي يا قلبي كفاية
- وفي أغلى حب
- وفي أحلف بحسنك
- وفي أنت لي دايم
- وفي الدودحية
- وفي غزير السلى
- وفي والله بلدنا نورت

وفي عشرات الأعمال التي ما زالت تحمل شيئاً من روحه وإحساسه
ومن لحج المحروسة بالله تعالى نبعث اليوم تحية وفاء إلى روح ابنها الفنان القدير/ محمد عبده زيدي
وإلى عدن التي احتضنت طفولته وشبابه وفنه
وإلى كل من عرفه أو عمل معه أو تعلم منه أو استمع إلى صوته

ونقول إن الفن الجميل لا يموت
وإن الفنان الذي يخلص لفنه لا يغيب
وإن الأغنية الصادقة تستطيع أن تعبر من جيل إلى جيل دون أن تفقد شيئاً من بريقها

لقد كان المايسترو محمد عبده زيدي واحداً من أولئك الذين أعطوا الأغنية من أعصابهم ووجدانهم وتركوا وراءهم شيئاً لا يستطيع الزمن أن يمحوه

فطوبى لفنان عاش للفن وأخلص له
وطوبى لصوت حمل الحب إلى الناس
وطوبى لملحن حمل التجديد إلى الأغنية
وطوبى لموسيقي لم يكتف بأن يصنع مجده وإنما أسهم في صناعة مجد الحركة الفنية من حوله

رحم الله الفنان الكبير/ محمد عبده زيدي رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته وجزاه عن الفن الجميل وعن كل لحظة فرح وحنين صنعها في قلوب الناس خير الجزاء

وسيظل اسمه واحداً من الأسماء التي كلما عدنا إليها شعرنا أننا لا نقرأ تاريخ فنان فحسب وإنما نفتح نافذة على زمن جميل كان للفن فيه قلب وللأغنية فيه روح وللفنان فيه مكانة لا تصنعها الأضواء وإنما يصنعها حب الناس

#المراجع
أهم المراجع والمصادر
- كتاب "محمد عبده زيدي كبير في زمن الكبار" للدكتور/ سهل بن أحمد السهل
- كتاب "الغناء في اليمن في مائة عام" للدكتور/ سهل بن أحمد السهل
- كتاب "تيارات تجديد الغناء في اليمن رؤية نقدية" للباحث/ جابر علي أحمد
- أرشيف موسوعة الغناء اليمني
- مواد توثيقية وفنية منشورة ومتداولة عن الفنان/ محمد عبده زيدي
- مصادر خاصة ،،،

#فكرام مقبل نصر علي لبجر القطيبي
أمين عام جمعية الفنانين لحج
رئيس منتدى شباب مبدع الثقافي الأدبي التوثيقي الفني
الحوطة لحج المحروسة بالله تعالى

متعلقات