حفيدة (علي سالم البيض ونس عدنان البيض)

الثلاثاء - 18 أغسطس 2026 - الساعة 04:40 م بتوقيت العاصمة عدن

تقرير "عدن سيتي" خاص



‏استمعت إلى حديث رشاد العليمي اليوم، ولفتني أن الرجل ما زال يتحدث عن الجنوب بالطريقة نفسها التي تتحدث بها السلطة عن أي ملف يمكن إدارته من فوق:

‏حوار، مرجعيات، مكونات، شراكة… ثم يطلب من أبناء الجنوب أن يذهبوا ليقاتلوا الحوثي لأنه، كما يقول، العائق أمام حل قضيتهم.

‏عفواً… ولكن أي قدر من الوقاحة السياسية يحتاجه المرء ليطلب من شعب لم تحل قضيته أن يخوض حرباً جديدة باسم حلها؟

‏ثم من الذي أعطى العليمي أصلاً هذه المساحة ليتحدث باسم مستقبل الجنوب؟

‏يا رجل، أنت لم تستطع تحرير مسقط رأسك، ولا تملك حتى أن تطأ شبراً من الأرض التي يفترض أنك تحكمها… ثم جئت لتوزع على أبناء الجنوب واجبات وطنية؟

‏الرياض هي التي رعت ترتيبات نقل السلطة التي أوصلته إلى موقعه، ثم تريد اليوم أن تقدمه للجنوب كوصي على مستقبله، وأن تسوق رواية مفادها أن ما جرى منذ يناير كان لمصلحة الجنوبيين.

‏فكيف يتحول صاحب الشرعية الفندقية إلى وصي على قضية الجنوب؟

‏وهنا تتكرر الوصفة السعودية الشهيرة: تُصنع الشرعية أولاً ثم يُصنع من يمثلها، ثم يطلب من الناس التعامل مع المنتج باعتباره إرادة سياسية.

‏رأيناها تنتج شرعيات فندقية، ورأيناها تعيد تركيب الشرعيات والشخصيات والكيانات كلما احتاجت إلى ذلك… والآن يبدو أن الدور جاء على الجنوب.

‏والأكثر إثارة للدهشة أن العليمي يصرح من الرياض بأن ثروات الجنوب النفطية يجب أن تُوزع على جميع اليمنيين، بما في ذلك مرتبات الموظفين في مناطق سيطرة الحوثيين.

‏ولا أستبعد، وفق هذا المنطق، أن يصبح من يقاتل أبناء الجنوب جزء من فاتورة الجنوب أيضاً.

‏ثم يحدثنا عن {حوار جنوبي} بحجة تعدد المكونات.

‏عجيب...!

‏الشمال تمزقه مكونات مسلحة متصارعة، وليست مجرد تباينات سياسية مثل الجنوب، ومع ذلك لم نسمع منهم دعوة جادة إلى {حوار شمالي}.

‏أما المكونات الجنوبية، فعلى اختلافها، ينتهي الخلاف بينها إلى سؤال واحد واضح:

‏الاحتكام إلى إرادة الشعب، والاستفتاء، وحق تقرير المصير.

‏لكنهم يتهربون من الاستفتاء الشعبي، لأنهم يعرفون أن الإرادة الشعبية هي الشيء الوحيد الذي لا يستطيعون إدارة نتيجته من الرياض.

‏ولهذا يريدون الحوار المزعوم.

‏ليس لأن الجنوب لا يعرف ماذا يريد، بل لأنهم لا يريدون أن يسأل الجنوب مباشرة عما يريد.

‏أما {الوفد الجنوبي} في الرياض، فهنا أيضاً نريد إجابة واضحة:

‏إذا كان وفد المجلس الانتقالي الجنوبي، فليُسمَّ باسمه. نحن نعرف مشروعه وأهدافه، ولا نحتاج أن يعاد تقديمه لنا تحت مسمى آخر.

‏أما أن يؤخذ أشخاص من داخل كيان سياسي طُلب منه أن يحل نفسه، وأُبقي أعضاؤه خارج أرضهم لأكثر من ثمانية أشهر، ثم يُعاد تقديمهم لنا باعتبارهم
‏ {وفد جنوبي} مستقل، فالسؤال البسيط:

‏يمثلون من؟

‏ومن فوضهم؟ وما الكيان الذي يمثلونه؟

‏الجنوب ليس ملف يُدار من فوق، ولا قضية تُعاد صياغتها في الرياض ثم تُرسل إلينا جاهزة.

‏فليتحاوروا كما يشاؤون.

‏لكن من يريد أن يتحدث باسم الجنوب، فالسؤال الأول الذي سيبقى قائم أمامه:

‏من فوضك؟

‏الجنوبي الذي عاش الحرب، ودفن أبناءه، وحمل السلاح، ودفع ثمن أرضه، لم يعد بحاجة إلى مخبر سياسي يشرح له أين تكمن مصلحته.

‏وعي الجنوب اليوم يسبق هذا الخطاب بسنوات ضوئية.

‏لم يعد ممكن أن تلقى علينا ذات الكلمات القديمة، ثم يطلب منا أن ننسى ما رأيناه بأعيننا.

متعلقات