دوكيارد عدن.. بنك الثروة السمكية

الجمعة - 31 يوليو 2026 - الساعة 11:04 م بتوقيت العاصمة عدن

تقرير / محمد النجار



امتَهن سكان العاصمة عدن صيد الأسماك منذ قديم الزمان، فقد جاوروا البحر ونسجوا ٧له القصص والحكايات. ولأن عدن تمتلك شريطاً ساحلياً يمتد على مساحة 181 كيلومتراً، فقد ساعد ذلك على وجود أنواع كثيرة من الأسماك والأحياء البحرية.

ومع تطور وسائل اصطياد الأسماك، التي مكنت الصيادين من دخول مسافات بعيدة واصطياد كميات كبيرة من الأسماك، جاءت فكرة إنشاء مركز إنزال سمكي تتوفر فيه جميع الخدمات التي يحتاجها الصيادون لتسويق منتجاتهم السمكية، خاصة مصانع الثلج والثلاجات وشاحنات حفظ الأسماك، التي تسمح لهم بحفظ منتجاتهم، بل ووصولها إلى المدن والأرياف والمناطق النائية التي تنعدم فيها المنتجات السمكية.

البداية الأولى للدوكيارد

على ساحل مديرية المعلا، تم إنشاء أول مركز إنزال سمكي في العاصمة عدن، بل وفي الجزيرة والخليج. وكانت الغاية من إنشائه استقبال وتسويق الأسماك محلياً وخارجياً التي تأتي بها قوارب الصيادين بمختلف أحجامها ومسمياتها: "صنابيق، عباري، هواري"، والتي لا يزيد غاطسها عن مترين ونصف.
وأُطلق عليه اسم "الدوكيارد" وهي كلمة إنجليزية تعني "أحواض السفن".

لمحة تاريخية

خلال الحكم البريطاني لعدن، أُنشئ مركز الدوكيارد السمكي كحوض سفن، وكان يتبع التاجر الأوروبي "توني بس". وبعد الاستقلال تملكته الدولة، التي استعانت بخبراء صينيين لتطويره وزيادة استيعابه للأسماك، فكان افتتاحه مجدداً عام 1977م كمركز سمكي دولي. أما إدارياً فكان يتبع المؤسسة العامة للخدمات وتسويق الأسماك الخاضعة لإشراف وزارة الثروة السمكية.

كوادر جعلت من الدوكيارد مركزاً دولياً

كان الدوكيارد مصدر رزق لمئات الكوادر والموظفين والعمال الذين توزعوا في مرافقه المختلفة وبمهام وأعمال متنوعة. تركزت أعمالهم في استقبال الأسماك من قوارب الصيد، إلى نقلها وتفريغها وإحصائها وبيعها للمواطنين أو لبائعي الأسماك القادمين من مختلف المحافظات. كما شملت خدمات العاملين في المركز صيانة القوارب وتزويد المركبات والصيادين بالثلج والوقود.

أما الفائض من تلك الأسماك فيبدأ رحلة جديدة، تبدأ بدخولها مبنى متكاملاً يتم فيه إعداد وتحضير وتغليف الأسماك، ونقلها إلى ثلاث مجمدات تقوم بتجميد الأسماك، ليتم بعد ذلك حفظها في الثلاجة المركزية التي تتسع لـ 800 طن من الأسماك.

وبعد فحصها، يُعطى المنتج الرقم الدولي تمهيداً لتصديره إلى العديد من الدول، حيث يُعتبر هذا الرقم بمثابة جواز سفر لبلدان العالم التي تجد فيها المنتجات السمكية لبلادنا رواجاً.

لقد كان الدوكيارد أشبه بخلية نحل استوطنت بقعة جغرافية قدرها ثلاثون ألف متر مربع، هي المساحة الإجمالية للدوكيارد.

مواصفات فريدة

بُني هذا المركز السمكي بطريقة فريدة تضمن معايير السلامة والحفاظ على جودة الأسماك. فإذا تمعنت فيه، ستجد أن أول من يستقبل الصيادين هو الرصيف الخرساني المخصص لرسو القوارب، والذي يبلغ طوله 52 متراً.
وبعد الرصيف، وعلى ارتفاع 30 سنتيمتراً من الأرض، توجد ساحتا حراج يتم تفريغ الأسماك فيهما لعرضها وتحديد سعرها بالمزاد من قبل أشخاص مختصين يُطلق عليهم "المُحرِجين"، ليتم شراؤها من قبل المواطنين أو بائعي الأسماك في مديريات العاصمة عدن، أو بقية المحافظات، أو مصدّري الأسماك.

كما احتضن الدوكيارد مبانٍ أُنشئت وفق المواصفات الفنية والاشتراطات الصحية المعمول بها آنذاك. خُصصت للإدارة، وورشة الصيانة، والمستودعات، بالإضافة إلى محطة للمشتقات النفطية، ومصنعين للثلج "القوالب والمجروش"، ومرافق صحية وخدمية، وساحات لوقوف السيارات والشاحنات.

الطاقة الاستيعابية

كان الدوكيارد مقصداً للقوارب القادمة من سواحل عدن والمحافظات القريبة، بل وحتى من بحار البلدان المجاورة لبلادنا، والتي كانت تفرغ فيه آلاف الأطنان شهرياً من الأسماك، لما يتوفر فيه من خدمات ومزايا جعلته يستقطب آلافاً من قوارب الصيادين سنوياً، والذين يرغبون في بيع منتجاتهم السمكية بسرعة وبأسعار مناسبة.

من بنك أسماك للناس إلى ملكية خاصة لنافذين

بعد قيام الوحدة عام 1990م، ظل الدوكيارد يتبع مؤسسات الدولة في الظاهر، بينما كانت تديره من الباطن شركات سمكية خاصة يمتلكها نافذون كانوا أكبر من الدولة نفسها. وقد أضر ذلك بسمعة الدوكيارد، فبعد أن كان يضخ للأسواق المحلية أجود أنواع الأسماك والأحياء البحرية ويصدر الفائض إلى الخارج، انعكست تلك المعادلة وأصبح يصدر أجود أنواع الأسماك للخارج، بينما يحصل المواطنون على الأسماك الأقل جودة وبأسعار مرتفعة.

وعند إنشاء الهيئة العامة للمصائد السمكية في خليج عدن نهاية عام 2010م، تم إلحاق الدوكيارد بإدارتها لاحقاً، وتحديداً عام 2012م. وبعدها بسنوات أصابت الدوكيارد ضربة قاتلة قضت على مقدراته تماماً، فقد تم تدمير مرافقه إبان حرب 2015م، مما جمد نشاطه لسنوات لاحقة.

نسيم البحر يعود إلى الدوكيارد

ما كان للدوكيارد أن تعود الحياة فيه من جديد لولا الجهود الجبارة التي بذلها اللواء سالم السقطري، وزير الزراعة والري والثروة السمكية، لإعادة افتتاحه مجدداً في سبتمبر عام 2021م. ولأن مباني ومرافق الدوكيارد تحتاج إلى أموال ضخمة لإعادة نشاطها بسبب تضررها بشكل كبير بفعل الحرب، خاصة الثلاجة المركزية ومصنع الثلج، تم توجيه المانحين الدوليين للتدخل لإصلاح الأضرار حسب الأولوية.

فكانت بداية الغيث إنشاء مصنع للثلج بطاقة 10 أطنان باليوم يعمل بالطاقة الشمسية. كما تتم حالياً أعمال هدم وبناء رصيف جديد بمواصفات عالمية، وكذا ترميم ساحاته ومحطة الوقود، في جهود تهدف إلى تحريك نسيم البحر لإنعاش الدوكيارد، وإعادة المئات إلى أعمالهم في المركز الذي كان حقاً مفخرةً للوطن.

متعلقات