بينما يستسلمُ العالمُ للنوم، وتخلو شوارعُ المدينةِ من ضجيجها، تبدأُ مناوبتي في عُمق العناية المركزة
السبت - 18 يوليو 2026 - الساعة 09:33 م بتوقيت العاصمة عدن
عدن "عدن سيتي" خاص
هناك، حيثُ تلتصقُ عيناي بشاشاتِ المراقبة، وأصغي بكل جوارحي لرنين الأجهزة المتواصل.. رنينٌ هو لغيري مجرد ضوضاء تقنية، لكنه لي خط الدفاع الأخير عن أرواحٍ أُؤتمنتُ عليها.
في الممر المقابل، يستندُ مرافقُ المريضِ إلى جدار صالة الانتظار ويغطّ في نومٍ عميق بـ "أريحية" تامّة. ينامُ ملء جفنيهِ لأنه يعلمُ دون أن يشعر أن خلف هذا الباب المغلق ثمة عينان لا تجرؤان على الغفلة، وقلبٌ نذر نفسه لحراسةِ الأنفاس العابرة. تلك الأريحية التي ينام بها هي صكّ أمانٍ صامت أدفعهُ من سهر جسدي وقلق روحي.
أن تكوني "أماً" في منزلكِ تحملين عبء التربية والمسؤولية كأبٍ وأم في آنٍ واحد وسط ظروفٍ لا ترحم، ثم تأتين إلى هنا لتكوني "أماً" لأرواحٍ غريبة يهددها الغياب.. هو معادلةٌ قاسية لا يفهم تفاصيلها إلا من عاشها. تتركين قلبكِ وقلقكِ على أطفالكِ في البيت، لتمنحي كامل يقظتكِ وحنانكِ لأمراضٍ وأوجاعٍ لا تخصكِ، لكن إنسانيتكِ تجعلها قضيتكِ الأولى.
المسؤولية ليست مجرد مناوبة تنتهي بانتهاء ساعات العمل؛ المسؤولية هي أن تصنع الطمأنينة للآخرين من رصيد صحتك وسكون ليلك، وأن تقف بثبات الجبال في وجه التعب، فقط لكي يمرّ الليل بسلام، ويستيقظ المتعبون على فجرٍ جديد.
تحية لكل عينٍ تحرس الحياة في عتمة الليل، ولكل أمٍّ تصنع من تعبها جسراً ليعبر الآخرون إلى شاطئ الأمان.
جدتكم الضالعيه