موقف القبائل الجنوبية من صفقة التبادل يفتح الباب امام احتمالات المواجهة المسلحة ضد الوصاية والاحتلال
السبت - 11 يوليو 2026 - الساعة 11:45 م بتوقيت العاصمة عدن
عدن سيتي-متابعات
تتجلى في التاريخ مواقف تصطدم فيها ارادة الشعوب بطموح المتربصين وتتحول بها نواميس السياسة الى مواجهات صريحة يختلط فيها دم الشهيد بكرامة الوطن وهي لحظات فارقة لا تقبل المواربة او الانحناء حيث ينهض الضمير الجمعي للشعب حين يستشعر الخطر الذي يحدق بحقوقه المسلوبة ويستبيح حرمة دمائه التي سالت في دروب النضال، فما شهدته عدن منذ الجمعة المنصرمة من نكف قبلي مهيب جسدته قبائل ردفان والصبيحة وبقية مكوّنات المجتمع الجنوبي في هبة رجل واحد يمثل صرخة حق لا تملك القوى الفاعلة في الغرف المغلقة تجاهلها او الاستخفاف بمدلولاتها الجسيمة، ذلك ان التداعي الى حمل السلاح والوقوف بصلابة في وجه صفقة دنيئة تهدف الى مقايضة قتلة مدانين بجرائم اغتيال سياسي في سجل الوطن الجنوبي الدامي بقادة عسكريين وامنيين شرفاء وفي مقدمتهم الشهيد جواس ما هو الا رد فعل طبيعي على استهتار صارخ بقيم العدالة وعرائض الدم الجنوبي الذي جرى استرخاصه في بازار التفاهمات المشبوهة بين قوى الوصاية واطراف النزاع الاخرى، ولما كان المجرم الذي توغل في دماء القادة لا يمكن ان يندرج تحت توصيف اسير حرب في اي عرف انساني او قانوني او شرعي بل يظل قاتلا اثما تقتضي العدالة قصاصه لا مبادلته في صفقات سياسية مستهترة بالقيم ومعادية للحق العام
ومما يزيد المشهد بلاغة ان ندرك ان هذه الصفقة المرفوضة ما هي الا حلقة في سلسلة طويلة من الاستباحة السياسية والعسكرية التي اشتدت وتيرتها منذ شهر يناير الماضي حينما احكمت الوصاية السعودية قبضتها وفرضت واقعا يتقاطع جوهريا مع تطلعات شعب الجنوب وطموحاته المشروعة في الاستقلال واستعادة قراره الذي ناضل من اجله عقودا طويلة من القهر والاقصاء والحرمان، وبناء على ذلك فان هذا النكف القبلي المسلح الذي حقق غايته الفورية بايقاف هذه المهزلة السياسية لا ينبغي قراءته كرد فعل منقطع بل هو مؤشر دقيق على غليان تحت الرماد يثبت ان الشعب الجنوبي لا يزال ممسكا بزمام امره وقادرا على فرض كلمته حين يستشعر بان قضيته الكبرى في خطر، فالرسالة التي انطلقت من فوهات البنادق ومن حشود الرجال المعتزين بكرامتهم تشير بوضوح لا يقبل التأويل الى ان خيار الكفاح المسلح يظل قائما وضروريا في ظل استمرار هذا الصلف الممارس من ادوات الاحتلال ومظلة الوصاية الاقليمية، وان القبائل التي لم تتوانى عن الانتصار لدم شهدائها لن تتردد في خوض معركة استرداد الوطن وسيادته متى ما استدعى الامر ذلك
واستكمالا لهذا السياق تستقر الحقيقة في جوهر هذا الفعل الذي تجاوز حدود الاعتراض على صفقة تبادل ليعلن عن جاهزية تامة وتأهب كامل للدفاع عن الوجود الوطني في مواجهة كل محاولات التفتيت والتهميش، اذ ان العزيمة التي ظهرت في نبرة القبائل واصرارها على حماية كرامة الشهداء هي ذات العزيمة التي ستتصدى لكل مشاريع الوصاية القادمة، فمن يضع دمه على كفه من اجل الحق في القصاص لشهيده هو اقدر الناس على بذل المهج والارواح من اجل تحرير الارض وبناء الدولة المستقلة، وعليه فان محاولات القفز على ارادة هذا الشعب او التلاعب بقضيته الوطنية العادلة لن تؤدي الا الى زيادة التلاحم الشعبي وتمسكه بخيار المواجهة والندية، فالمعادلة بسيطة في منطقها واضحة في ابعادها وموجعة لمن يظن ان باستطاعته ادارة الجنوب من وراء الستار او المراهنة على خضوع ارادة شعب صلب لم تنل منه السنون ولم تكسر شوكته المؤامرات المتعاقبة، ولذا فان ما حدث امس الجمعة ما هو الا فصل في رواية مفتوحة عنوانها العريض ان الجنوب ليس مجرد ساحة للمساومات بل هو ارض يملك قرارها ابناؤها الذين يرفضون اي وصاية ويطالبون بحقهم التاريخي في تقرير المصير بعيدا عن املاءات ترفضها الفطرة السوية ولا تستقيم مع منطق الحق والعدل في هذا العالم الذي لا يعترف الا بالاقوياء والمتمسكين بحقوقهم حتى الرمق الاخير.