الأحد-15 مارس - 01:23 ص-مدينة عدن

بنية التنظيمات الهشة… حين تتحول المحسوبية والفساد إلى وصفة مؤكدة لانهيار التحالفات

السبت - 14 مارس 2026 - الساعة 11:50 م بتوقيت العاصمة عدن

السودان "عدن سيتي" عثمان عبدالرحمن سليمان



تعاني كثير من التنظيمات السياسية والتحالفات في السودان من أزمة بنيوية عميقة تتجلى في هشاشة هياكلها التنظيمية وغياب المؤسسية داخلها. فبدلاً من أن تقوم هذه الكيانات على قواعد واضحة من الشفافية والمساءلة وتداول المسؤوليات، نجد أنها كثيراً ما تُدار بعقلية الولاءات الشخصية والمصالح الضيقة. هذه البنية الهشة تجعل التحالفات تبدو قوية في ظاهرها لكنها في الواقع تفتقر إلى الأسس الصلبة التي تضمن استمراريتها. ومع أول اختبار سياسي أو خلاف داخلي، تبدأ التصدعات في الظهور، ويتحول التباين الطبيعي في الرؤى إلى صراعات حادة تنتهي غالباً بانقسامات أو انهيارات كاملة.
إن المحسوبية والفساد الإداري والسياسي يمثلان أحد أبرز العوامل التي تعجل بسقوط هذه التنظيمات. فعندما تتحول المناصب القيادية إلى مكافآت توزع على أساس القرب الشخصي أو الانتماء الضيق بدلاً من الكفاءة والقدرة، تفقد المؤسسات روحها وتتحول إلى تجمعات مغلقة تحكمها الشللية. ومع مرور الوقت، ينسحب بعضهم أو ينخرطون في صراعات داخلية تستنزف طاقة التنظيم وتضعف قدرته على أداء دوره السياسي. وفي مثل هذه البيئة، يصبح الفساد جزءاً من الثقافة التنظيمية، ويغيب أي أمل في الإصلاح الحقيقي.



ولعل تجربة جماعة الإخوان المسلمين في السودان تقدم مثالاً واضحاً على ما يمكن وصفه بـ"لعنة التنظيم المغلق". فالتنظيم الذي حكم البلاد لعقود طويلة كان يقوم في بنيته الداخلية على شبكة معقدة من الولاءات والمصالح الخاصة، الأمر الذي أدى مع مرور الزمن إلى تفشي الفساد وتآكل الثقة داخله. ومع سقوط نظامه السياسي، ظهرت الانقسامات الحادة بين قياداته وتياراته المختلفة، وتحولت الجماعة إلى كيان يعاني من التشظي وفقدان التأثير. هذه التجربة أصبحت بالنسبة لكثير من المراقبين نموذجاً تحذيرياً لما يمكن أن يحدث عندما تتحول التنظيمات السياسية إلى مؤسسات مغلقة تهيمن عليها المحسوبية.


غير أن ما يثير القلق اليوم هو أن هذه "اللعنة" لم تعد مقتصرة على تنظيم بعينه، بل أصبحت واقعاً تعيشه معظم التنظيمات والتحالفات السودانية بدرجات متفاوتة. فكثير من التحالفات التي تشكلت تحت شعارات كبيرة سرعان ما تفككت بسبب الصراعات الشخصية وتنافس القيادات على النفوذ والمواقع. وإذا لم تُدرك القوى السياسية خطورة هذه الظاهرة وتسارع إلى بناء مؤسسات حقيقية قائمة على الديمقراطية الداخلية والشفافية، فإن السودان سيظل يدور في حلقة مفرغة من التحالفات المؤقتة والانقسامات المتكررة، وهو ما يضعف فرص الاستقرار السياسي ويؤخر تطلعات السودانيين نحو دولة حديثة تقوم على سيادة القانون والمؤسسات.

متعلقات