المداخل التفسيرية وطرق التحليل الفعال للتطرف داخل السجون

الإثنين - 16 فبراير 2026 - الساعة 10:50 ص بتوقيت العاصمة عدن

تقرير "عدن سيتي" احمد الربيعي : متابعات



ترتبط الكثير من عمليات التحول المتطرف داخل السجون بالنموذج الكامن لها باعتبارها أماكن للضعف والانكشاف (Place of Vulnerability) والتي تصور بشكل أو بآخر معاناة الأفراد الناجمة عن العزلة المجتمعية والأزمات الشخصية، فالشخص يتم إخراجه من وسطه المجتمعي المعتاد عليه، وسرعان ما يشعر بالخواء، والذي قد ينتقل في مرحلة ما، وفي ظل تجربة السجن الجديدة، إلى قابلية لتبني الأفكار المتطرفة والاستعداد للانخراط في الأنشطة الإرهابية. وتفترض الأدبيات التي تناولت صناعة التطرف والإرهاب أن السجون تشكل -في بعض الأحيان- نقطة تحول مؤلمة (Traumatic Turning Point) تدفع الأفراد إلى الخروج من مسار حياتهم التقليدي، والبحث عن سياق جديد أكثر راديكالية. وفي هذا السياق قد يكون التماهي مع المنظومة الإرهابية المتطرفة ناتجًا عن رغبة في البحث عن المعنى والهوية التي تعطي لحياة الفرد قيمة مختلفة، من وجهة نظره، لا سيما إذا كانت هذه الهوية تنطوي على اعتراض وتحدٍّ للسلطة والمجتمع، ومنح فرصة للتعبير عن المظالم المتصورة في مخيلة الفرد.
لقد باتت قضية التحول إلى التطرف داخل السجون إشكالية للكثير من الحكومات خلال السنوات الأخيرة، حيث كشفت العديد من الهجمات الإرهابية عن الارتباط بين منفذي هذه الهجمات وتاريخهم السابق في السجون . وهنا تشير بعض التقارير الغربية إلى أن (أحمدي كوليبالي) الذي نفذ هجومين في باريس يناير 2015 كان قد تحول للتطرف أثناء قضائه فترة في السجن بتهم متعلقة بالسرقة والتحايل، كما أفادت بعض التقارير بأن (خالد مسعود) منفذ هجوم ويستمنستر في بريطانيا مارس 2017 يُحتمل أن يكون قد تحول الى التطرف أثناء قضاء عقوبة السجن، ويستدعي تحليل العلاقة بين التطرف والسجون التركيز على عدد من المداخل التفسيرية المتمثلة فيما يلي :
• المدخل الاول : التجمعات المتطرفة : حيث إن التداخل بين السجناء المتطرفين فكريًّا وغيرهم من السجناء يعزز من احتمالية استقطاب هؤلاء السجناء إلى المنظومة الإرهابية، وذلك في ظل تراجع الوعي بمخاطر المزج بين السجناء من خلفيات مختلفة، ناهيك عن العقلية البراغماتية الحاكمة للكثير من التنظيمات الإرهابية، وما تقتضيه من توظيف السجون كأداة لاستقطاب عناصر إرهابية جديدة، ونشر الافكار على أوسع نطاق ممكن .

• المدخل الثاني : طبيعة التنظيمات المتطرفة : إذ تتباين التنظيمات من حيث رؤيتها للعناصر المغايرة داخل السجون، وبالتالي مساحة التفاعل معها والرغبة في استقطابها للتنظيم. فالسجناء التابعون لتنظيم داعش او القاعدة على سبيل المثال، يرون أن من واجبهم نشر معتقدهم وأفكارهم، وبالتالي هم يحملون رسالة (متخيلة) لتحويل السجناء الآخرين كي يصبحوا أتباع مخلصين لهم .

• المدخل الثالث : ثنائية الداخل والخارج : يتقاطع في ظاهرة صناعة الإرهاب داخل السجون ثنائية المسارات الداخلية والخارجية الدافعة للتطرف اذ تنطوي المسارات الخارجية على عملية تسرب وتدفق مواد متطرفة من قبيل الكتب ومقاطع الفيديو إلى داخل السجن، فضلًا عن الزوار الخارجيين الذين قد يروجون لرسائل متطرفة . وترتبط المسارات الداخلية للتطرف بالسجناء ذوي التوجهات الإرهابية المتطرفة، والذين لم يتم فصلهم عن باقي السجناء. وتحدث الإشكالية حينما يسعى هؤلاء المتطرفون إلى الاقتراب من السجناء العاديين عبر تقديم خدمات لهم، والتكريس لأدوار قيادية ذات صبغة كاريزمية وروحية داخل السجن .

• المدخل الرابع : فوضوية السجون : وينصرف هذا المدخل إلى المعضلات التي قد تعاني منها بعض السجون، لا سيما تلك المتعلقة بالنقص في الخبرات والموارد البشرية المتاحة لإدارة السجن، فضلًا عن الازدحام الشديد داخل السجن، باعتباره نمطًا شائعًا في العديد من الدول، والذي يؤدي إلى خلق ضغوط إضافية على السجناء، ويحفز الكثيرين منهم على الاندماج في مجموعات فرعية، بعضها يحمل توجهات متطرفة تحقق لها قدرًا من الأمان داخل السجن أو حتى الوصول إلى بعض الموارد التي تكون شحيحة بطبيعتها . اذ تمهد السجون المزدحمة والفوضوية والتي يكون من الصعب مراقبتها من جانب الادارة ، الطريق للزعماء المتطرفين ذوي الكاريزما لخلق نمط من السلطة في مجتمع السجن، وفرض أنظمة ومعتقدات متطرفة على أتباعهم من السجناء العاديين الذين يجدون في هؤلاء الزعماء نموذجًا لبناء هوية جديدة، وفي الوقت ذاته الحصول على الحماية اللازمة في بيئة فوضوية .

المصدر - كتاب التطرف والارهاب
دراسة تحليلية في التنظيمات والمجاميع الارهابية المتطرفة الاخطر في العالم

المحلل الأمني - احمد الربيعي

متعلقات