الأربعاء-21 يناير - 02:50 ص-مدينة عدن

"هندسة التفكيك وضرب الهوية: السياسة السعودية الجديدة لتجريد الجنوب من قراره المستقل"

الأربعاء - 21 يناير 2026 - الساعة 01:11 ص بتوقيت العاصمة عدن

تقرير "عدن سيتي" صالح ابو عوذل



ما يجري اليوم ليس حدثا عابرا ولا سوء تقدير سياسي ولا محاولة فاشلة للتهدئة كما يروج له اعلام الرياض بل هو مشروع متكامل طويل النفس قائم على هندسة تفكيك الجنوب من الداخل قبل اي استحقاق سياسي قادم فالسعودية وصلت الى قناعة راسخة ان الجنوب الموحد خلف قضية استعادة الدولة يمثل خطرا استراتيجيا على نفوذها ودورها الوظيفي في اليمن والمنطقة ولهذا انتقلت من مرحلة الادارة الخشنة للصراع الى مرحلة الادارة الناعمة التي تقوم على التفجير من الداخل بدل المواجهة المباشرة

السعودية اليوم لا تهدئ ولا تصلح ولا ترعى حوار بل تدير مسرحية سياسية محسوبة بدقة هدفها تخدير الشارع الجنوبي مؤقتا وامتصاص حالة الاحتقان والغضب الشعبي في لحظات حساسة بينما تشتغل في العمق بهدوء على اخطر ملف وهو اعادة تشكيل تمثيل الجنوب سياسيا بما يضمن كسر احتكار المجلس الانتقالي لتمثيل القضية الجنوبية امام الاقليم والعالم

جوهر هذه الهندسة يقوم على تفريخ كيانات جنوبية مصطنعة تحمل عناوين مناطقية حضرمية مهرية شبوانية ابينية لا تنطلق من مشروع وطني جنوبي ولا من معاناة الناس ولا من تاريخ النضال بل يتم تصنيعها سياسيا وماليا داخل غرف القرار السعودي ويتم تجهيزها مسبقا للعب دور محدد في لحظة محددة وهي لحظة الحوارات والمؤتمرات والاستحقاقات المصيرية

هذه الكيانات لا تظهر في الشارع ولا تتحمل كلفة المواجهة ولا تدفع ثمن المواقف ولا تملك قواعد شعبية حقيقية لكنها تملك شيئا واحدا هو القبول السعودي والدعم المالي والاعلامي ولهذا يتم تقديمها كبديل جاهز او شريك مفروض على الطاولة لا يمثل الجنوب بقدر ما يمثل ارادة من صنعه

اخطر ما في هذا المشروع ان هذه الكيانات تلبس اعلام مختلفة وتتكلم بخطاب مناطقي ظاهره حقوق المحافظات وباطنه ضرب الهوية الجنوبية الجامعة فبدل ان تكون حضرموت وشبوة وابين والمهرة روافد لقضية واحدة يتم تحويلها الى عناوين صراع وتنافس وتمييز يخدم تفكيك الصف الجنوبي ويفتح باب صراعات داخلية طويلة الامد

وعند كل استحقاق مصيري يتم اخراج هذه الادوات فجأة الى المشهد ويتم رميها امام وفد المجلس الانتقالي كأمر واقع لا سابق انذار له ثم تقول السعودية للعالم هؤلاء جنوبيون ومن حقهم التمثيل والحوار بينما الحقيقة ان كثير منهم يحمل توجهات وحدوية صريحة وبعضهم مرتبط تنظيميا بالاخوان وبعضهم مستعد للتفاهم مع الحوثي اذا كان ذلك يخدم مصالحه الشخصية

ثم تأتي الخطوة الاخطر وهي تضخيم عدد هذه المكونات اعلاميا وسياسيا لتصبح اضعاف وفد الانتقالي عددا وصوتا لا شرعية ولا وزنا شعبيا وبذلك يتم تمييع التمثيل الجنوبي وتحويل الحوار من نقاش حول حق شعب في استعادة دولته الى بازار سياسي مليء بالاصوات المتناقضة والمطالب الجزئية

بهذه الطريقة يتم ضرب جوهر القضية الجنوبية دون اطلاق رصاصة واحدة حيث يتحول مطلب استعادة الدولة الى خلاف داخلي جنوبي جنوبي ويجري تصوير الجنوب امام العالم كجغرافيا مفككة بلا رؤية موحدة وبلا قيادة واحدة وبلا مشروع جامع وهو ما يبرر اقليميا ودوليا القفز على حقه السياسي

والنتيجة النهائية لهذا المسار هي خنق القرار الجنوبي المستقل وتجريد المجلس الانتقالي من شرعيته التمثيلية وضرب وحدة الصف واعادة انتاج الوصاية السعودية بشكل ناعم مغلف بالدبلوماسية والحوار بينما الاحتلال الحقيقي يعاد تدويره بأدوات جنوبية مدجنة

في المحصلة نحن امام مشروع لا يستهدف اشخاصا ولا قيادات بل يستهدف فكرة الدولة الجنوبية نفسها ويعمل على تحويل الجنوب الى ساحة نفوذ بلا سيادة وبلا ارادة وطنية بينما المخرجات النهائية تكون جاهزة سلفا لخدمة مصالح الرياض وحلفائها الاقليميين وحماية الاخوان وفتح خطوط تفاهم مع الحوثي على حساب دماء وتضحيات شعب الجنوب

ولهذا فان اخطر ما يمكن ان يواجه الجنوب اليوم ليس الحرب العسكرية بل هذه الحرب السياسية الناعمة التي تدار تحت الطاولة والتي ان لم يتم وعيها ومواجهتها بوحدة موقف ورؤية استراتيجية واضحة ستنجح في ما عجزت عنه الجيوش وهو قتل القضية من داخلها

متعلقات