الدكتور عبد الحميد شكري وحوار الرياض: سؤال الغياب الذي لا يمكن تجاهله

الثلاثاء - 20 يناير 2026 - الساعة 07:58 م بتوقيت العاصمة عدن

تقرير "عدن سيتي" وضاح علي علوان



في القضايا الوطنية الكبرى، لا يُقاس ثقل المكوّنات السياسية بحجم حضورها الإعلامي، بل بعمق جذورها، ووضوح مشروعها، واستمرارية موقفها عبر الزمن. ومن هذا المنطلق، يصبح تغييب الدكتور عبد الحميد شكري، رئيس المجلس الوطني الأعلى للنضال السلمي لتحرير واستعادة دولة الجنوب، عن حوار الرياض، مسألة سياسية تستحق التوقف عندها بجدية، لا باعتبارها خلافًا عابرًا، بل بوصفها مؤشرًا على طبيعة المقاربة المعتمدة في إدارة الملف الجنوبي.
الدكتور عبد الحميد شكري ليس اسمًا طارئًا على المشهد الجنوبي، بل أحد الأصوات التي حافظت على تعريف ثابت للصراع منذ ما قبل 7/7/2007 حين كانت المواقف أكثر كلفة وأقل رواجًا. مشروعه السياسي لم يتبدل بتغير العواصم، ولم يُصغ وفق ميزان القوى المرحلي، بل ظل قائمًا على فكرة مركزية واحدة: أن قضية الجنوب قضية شعب له حق في تقرير مصيره واستعادة دولته، لا ملفًا تفاوضيًا يُدار ضمن أزمات الآخرين.
رفض شكري الاصطفاف مع المجلس الانتقالي الجنوبي لم يكن خروجًا على الصف الجنوبي، بل تعبيرًا عن اختلاف في قراءة المسار والنتائج. فهو يرى أن الدخول في ترتيبات سياسية قبل حسم جوهر القضية يفتح الباب أمام تسويات منقوصة، تُنتج سلطات بلا سيادة، وتمثيلًا بلا تفويض شعبي كامل. هذا الموقف، سواء اتُّفق معه أم لا، يعبّر عن تيار جنوبي موجود وفاعل، لا يمكن شطبه بقرار أو تجاوزه بصمت.
من هنا يبرز السؤال الذي يتردد اليوم في الداخل الجنوبي ويُطرح بهدوء في الخارج: كيف يمكن لحوار ترعاه المملكة العربية السعودية، ويُقدَّم بوصفه حوارًا جنوبيًا شاملًا، أن يتجاهل مكوّنًا جنوبيًا له تاريخ نضالي واضح، ورئيسه معروف بمواقفه المعلنة منذ سنوات؟ وهل الشمولية تعني جمع المتوافقين فقط، أم إدارة الاختلاف ضمن إطار سياسي مسؤول؟
طرح هذا السؤال لا يستهدف التشكيك في دور المملكة، ولا القفز إلى استنتاجات متسرعة حول نواياها، لكنه يضع الحوار أمام اختبار جدي. فالمصداقية السياسية لا تُبنى على حسن النوايا وحدها، بل على آليات التمثيل، ومعايير الدعوة، وحدود الإقصاء. وكلما ضاقت دائرة المشاركين، اتسعت دائرة المشككين في النتائج.
إن تغييب المجلس الوطني الأعلى للنضال السلمي لا يعني إضعافه بقدر ما يعني تحميل الحوار عبئًا إضافيًا. فالتجارب السابقة، في الجنوب واليمن عمومًا، أثبتت أن التسويات التي تُصاغ دون إشراك المكونات غير المنضوية تحت مظلة النفوذ، تتحول لاحقًا إلى أزمات مؤجلة، أو إلى واقع مرفوض شعبيًا، مهما حظيت بدعم إقليمي أو دولي.
للمملكة العربية السعودية مصلحة حقيقية في نجاح أي مسار جنوبي، ليس فقط كراعٍ سياسي، بل كفاعل إقليمي معني بالاستقرار طويل الأمد. وهذا النجاح لا يتحقق بإدارة اللحظة، بل ببناء مسار يشعر فيه الجنوبيون، بمختلف تياراتهم، أن صوتهم مسموع، حتى إن لم يُؤخذ به كاملًا. فالإقصاء الصامت أخطر من الخلاف المعلن.
في المحصلة، فإن السؤال ليس لماذا غاب الدكتور عبد الحميد شكري عن حوار الرياض، بل ماذا يعني هذا الغياب سياسيًا، وكيف سينعكس على قبول المخرجات مستقبلًا. فالقضية الجنوبية أكبر من أن تُختزل في تمثيل واحد، وأعمق من أن تُدار بمنطق الضرورة المرحلية. وأي حوار لا يفتح بابه لكل المكونات الفاعلة، إنما يفتح الباب، دون قصد، لجولة جديدة من الشك وعدم الثقة.

بقلم/ وضاح علي علوان

متعلقات