ٱراء واتجاهات


متى تدرك الرياض أن الوصاية بالقوة على الجنوب ليست قدرًا أبديًا؟

الأربعاء - 14 أكتوبر 2026 - الساعة 09:36 م

الكاتب: بروفسور. توفيق جزوليت : كاتب سياسي مغربي - ارشيف الكاتب




المجلس الانتقالي مطالب اكثر من اي وقت مضى الانتقال من صمود الشارع إلى بناء القوة المؤسسية و الدبلوماسية

أبرز ما في خطاب الرئيس الزبيدي هو تمسّك المجلس الإنتقالي بالإعلان الدستوري والبيان السياسي الصادرين في 2 يناير 2026، ومطالبته السعودية والمجتمع الدولي بالاعتراف بهما، إلى جانب التأكيد على هدف استعادة الدولة الجنوبية المستقلة.
سياسياً، يمكن فهم ذلك بوصفه رفضاً للتعامل مع حلّ المجلس باعتباره نهاية للمشروع السياسي الجنوبي. فالرسالة التي أراد إيصالها هي أن تغيير الوضع التنظيمي للمجلس لا يعني إسقاط القضية التي يتبناها….لكن نجاح هذه الرسالة يتوقف على قدرة القيادة على تحويل الموقف المعلن إلى حضور سياسي ومؤسسي مستمر.
ثانيا :دعوة الجنوبيين إلى الاحتشاد في عدن وحضرموت وشبوة والمهرة وسقطرى تمثل محاولة لنقل مركز الثقل إلى الشارع، بعدما تغيّرت موازين السيطرة على الأرض. غير أن هناك فرقاً بين الحشد الشعبي والقدرة على إدارة المؤسسات. فالمظاهرات قد تثبت استمرار التأييد، لكنها لا تعوّض وحدها غياب التنظيم السياسي الفاعل، ولا تحلّ مشكلات التمثيل والتفاوض والعلاقات الخارجية.
ثالثاً: الرسالة إلى السعودية كانت محسوبة إذ أدان الزبيدي الهجمات الحوثية التي استهدفت مواقع مدنية في السعودية، وفي الوقت نفسه طالب الرياض بالاعتراف بالإعلان الدستوري والبيان السياسي الجنوبي. 
يمكن قراءة الجمع بين الموقفين باعتباره محاولة للفصل بين الخلاف السياسي مع الرياض والمصالح الأمنية المشتركة في مواجهة الحوثيين…وهنا تكمن دلالة مهمة: الخطاب لم يجعل المواجهة مع السعودية عنوانه الرئيسي، بل أبقى باب التعامل معها مفتوحاً، مع التمسك بالمطالب الجنوبية. وهذه مقاربة تختلف عن التصعيد المباشر، لأنها تتيح للمجلس مخاطبة الرياض والمجتمع الدولي في آن واحد

الزبيدي لم يكتفِ بالدعوة إلى حماية القوات أو الأراضي، بل ربط التعبئة بمشروع سياسي محدد.
في المقابل، فإن ترجمة هذا الهدف إلى مسار قابل للتحقق تتطلب أدوات دبلوماسية وقانونية، وتوافقاً جنوبياً واسعاً، وتعاملاً واقعياً مع مواقف القوى الإقليمية والدولية.

رغم وضوح رسائله السياسية، تظل هناك أسئلة لم يقدم الخطاب إجابات تفصيلية عنها:
ما الآليات العملية لإعادة بناء المؤسسات السياسية للمجلس وتعزيز استقلالية قرارها؟
كيف ستُدار العلاقة مع السعودية إذا استمر الخلاف حول مستقبل الجنوب؟
كيف يمكن توحيد المكونات الجنوبية المختلفة، ولا سيما في حضرموت والمهرة وشبوة؟
ما الخطوات الدبلوماسية والقانونية المحددة التي ستلي المطالبة بالاعتراف بالإعلان الدستوري؟
هذه الأسئلة أساسية لأن المرحلة لا تتطلب التعبئة وحدها، بل تتطلب أيضاً بناء أدوات تفاوض وتمثيل قادرة على تحويل التأييد الشعبي إلى مكاسب سياسية.

المعيار الحقيقي لتقييم الخطاب لن يكون قوة عباراته وحدها، بل ما ستكشفه الأيام التالية من مشاركة شعبية فعلية، وقدرة على تنظيم الصف الجنوبي، وخطوات مؤسسية ودبلوماسية واضحة.
والسؤال الجوهري في هذه المرحلة: هل يستطيع الزبيدي تحويل الخطاب من إعلان للصمود السياسي إلى مشروع لإعادة بناء القوة السياسية الجنوبية، أم ستظل التعبئة الشعبية متقدمة على القدرة المؤسسية والدبلوماسية؟
هذا، في تقديري، هو الاختبار الأهم الذي يواجه القيادة الجنوبية بعد قرار حلّ المجلس
الانتقالي.

آن للمملكة العربية السعودية أن تعيد النظر في حساباتها، وأن تدرك أن الاستقرار لا يتحقق بفرض الوصاية، ولا بدعم قوى عجزت عن تقديم حلول سياسية مستدامة، بل بالاعتراف بالواقع السياسي والتاريخي للجنوب، واحترام تطلعات شعبه إلى استعادة دولته…وتكشف هذه الحالة عن إشكال استراتيجي أعمق وقعت فيه الرياض إذ لا يمكن اختزال القضية الجنوبية في المجلس الانتقالي، كما لا يمكن إنهاء المجلس بقرار يصدر من الخارج. فالقضايا ذات الجذور التاريخية والسياسية لا تختفي بإلغاء الأطر التنظيمية التي تحملها، بل قد تبحث عن صيغ جديدة للتعبير عن نفسها إذا بقيت أسبابها قائمة.

ومن منظور إدارة الصراعات، على القيادة السياسية السعودية أن تقرأ تاريخ نضالات الشعوب التي خضعت للاحتلال أو للوصاية المفروضة بالقوة العسكرية، وأن تستوعب الدرس الأهم الذي تؤكده تجارب التاريخ: لا يمكن إخضاع إرادة الشعوب إلى الأبد، ولا تستطيع القوة العسكرية أن تمنح الوصاية شرعية دائمة.
لقد أثبت التاريخ أن الشعوب التي تتمسك بحقوقها الوطنية، وتواصل نضالها من أجل حريتها واستعادة دولتها، لا تتخلى عن تطلعاتها لمجرد أن قوى إقليمية قررت أن مصالحها تقتضي إبقاءها تحت الوصاية .ومن هذا المنطلق، فإن على الرياض أن تدرك أن الجنوب قضية شعب ذي ذاكرة سياسية وتاريخ دولة وتطلعات وطنية لا يمكن تجاوزها إلى ما لا نهاية.
.
استعادة الدولة الجنوبية ليست رهينة إلى الأبد لحسابات الرياض؛ فالتاريخ لا يمنح الوصاية ضمانة للبقاء، ولا يجعل من موازين القوة القائمة قدرًا أبديًا. ومهما طال الزمن، فإن إرادة الشعوب تظل أقوى من رهانات إخضاعها، والجنوب الذي يتمسك بحقه في استعادة دولته لن يتخلى عن هذا الحق لمجرد أن الرياض لم تحسم بعد مراجعة حساباتها