ٱراء واتجاهات


باب المندب.. خيارات الجنوب والإمارات

الإثنين - 21 سبتمبر 2026 - الساعة 02:31 م

الكاتب: م . محمد مساعد سيف - ارشيف الكاتب




‏تُعدّ معركة الممر المائي الدولي في باب المندب والساحل الغربي أحد أعقد وأهم الملفات العسكرية والجيوسياسية في الشرق الأوسط. فالمستجدات الميدانية والتحولات لا سيما سيطرة مليشيا الحوثي الموالية لإيران على الساحل الغربي وميناء ومدينة المخا وباب المندب وجزر زقر وحنيش الكبرى وحنيش الصغرى وجزيرة ميون " بروم " في البحر الاحمر الإستراتيجية تحتم قراءة تفصيلية ومعمقة للواقع العسكري في تلك الجبهات، إلى جانب قراءة إستراتيجية دقيقة للخيارات المتاحة أمام القوات المسلحة الجنوبية ودولة الإمارات العربية المتحدة في مرحلة إعادة ترتيب وتشكيل التحالفات الإقليميةبالضرورة.

‏أولاً: التحليل العسكري : 
‏  ينقسم المسرح العسكري للجبهات باب المندب والساحل الغربي، الى ثلاثة قطاعات متكاملة يتشكل مجموعها "منظومة السيطرة والردع".

‏1. قطاع المضيق والمنافذ البحرية والجزر الإستراتيجية (جزيرة ميون)

‏* تمثل جزيرة ميون (المعروفة بـ Perim)أهمية تكتيكية ونقطة مرتكز حيوية تتحكم في الممر المالي الضيق لـ "باب المندب"، وتفصل بين قناة الملاحة البحرية والساحل الأفريقي.
‏* الانتشار والسيطرة تتمركز في الجزيرة والمناطق الساحلية المتاخمة لها وحدات متخصصة من القوات الجنوبية (القوات البحرية وخفر السواحل الجنوبي) والتشكيلات المساندة، حيث أُنشئت دولة الامارات العربية المتحدة شبكات أنظمة إنذار مبكر ومدرجات طيران لاستطلاع ورصد الحركة البحرية مضاف اليه دعم سخي بالعتاد والسلاح النوعي ، والمادي والعيني والاموال وخبرات.

‏* التحديات تزايد استخدام الحوثيين للمقذوفات  الموجهة بعيدة المدى، والصواريخ الباليستية المضادة للسفن، والزوارق الانتحارية غير المأهولة، والدرونز الانتحارية الصادرة من نقاط انتشار بالعمق في جبال تعز والحديدة.

‏2. قطاع "ذُباب - كهبوب - الشريط الساحلي" (النسق الدفاعي البري)

‏الأهمية والتضاريس: يربط هذا القطاع بين باب المندب شمالاً باتجاه المخا ورأس العار ولحج جنوباً ومرتفعات جبال الصبيحة شرقاً. تتنوع تضاريسه بين السهول الساحلية المكشوفة والمرتفعات الجبلية الحاكمة.
‏الوضعية الميدانية: تتميز هذه الجبهة بثبات تكتيكي تحت إدارة قوات الصبيحة والقوات الجنوبية، حيث تُشكل المرتفعات حائط صد يمنع تسلل المليشيات الحوثية من مديرية الوازعية أو المرتفعات المطلة في محافظة تعز.

‏3. قطاع المخا - الساحل الغربي (العمق الهجومي)

‏الأهمية الإستراتيجية: يُعد ميناء المخا ومدينة المخا القاعدة الخلفية للعمليات ومقر التنسيق العسكري لإدارة الجبهات الساحلية حتى مشارف ميناء الحديدة والصليف.
‏طبيعة التهديد الحالي: بعد وقف تقدم القوات نحو مدينة الحديدة بموجب "اتفاق ستوكهولم" وتداعيات إعادة التموضع اللاحقة، استغل الحوثيون الشريط الساحلي المترامي في الحديدة لبناء منصات إطلاق مخفية شبيهة بنظام "حرب العصابات البحرية"، واستغلال الموانئ الرئيسية  للقطع والاجهزة والاموال والخبراء الايرانين، مضاف اليه طرق التهريب البرية المتتدة من سلطنة عمان مرورا بمحافظتي حضرموت والمهرة الجنوبيتين وصولا الى محافظتي البيضاء والجوف الشماليتين الواقعتين تحت سيطرة مليشيا الحوثي كقواعد إمداد وتهريب لقطع والاجهزة والقطع والاموال والخبراء الإيرانيين.

‏ثانياً: الخيارات الإستراتيجية للقوات الجنوبية والإمارات في مرحلة إعادة ترتيب التحالفات
‏في ظل تغير معادلات القوة وتبدل الأولويات لدى القوى الإقليمية والدولية، لاسيما بعد سيطرة مليشيا الحوثي الموالية لايران تقف القوات المسلحة الجنوبية والإمارات أمام خيارات إستراتيجية حاسمة لإعادة تموضعها وحماية مكتسباتها:

‏1. تحول الإمارات نحو "الإستراتيجية البحرية والأمنية غير المباشرة"
‏الانتقال من الانتشار البري الواسع إلى حماية الممرات بحيث تركز الإمارات خياراتها على تأمين الشبكة البحرية الممتدة من الخليج العربي، مروراً ببحر العرب وخليج عدن، وصولاً إلى باب المندب والبحر الأحمر.
‏دعم بناء القدرات الذاتية للحلفاء حيث تعتمد الإمارات على خيار تمكين وتدريب وتجهيز القوات المحلية الفاعلة (القوات الجنوبية، النخبة، الحزام الأمني، والقوات المشتركة) لتكون القوة التنفيذية الميدانية على الأرض، مما يخفف التكلفة البشرية والسياسية المباشرة، ويضمن وجود قوات أمنية تمتلك عقيدة قتالية متماسكة ضد التنظيمات المتطرفة والحوثيين.
‏التنسيق في مكافحة الإرهاب والقرصنة من خلال بناء شراكات أمنية مع دول الإقليم والقوى الدولية المهتمة بأمن الملاحة لتشكيل شبكة إنذار وتأمين مبكر تجفف منابع التهريب البحري للإيرانيين والحوثيين.
‏2. خيارات القوات الجنوبية (إعادة صياغة أدوار القوة وفرض الأمر الواقع)
‏الخيار الأول: تثبيت معادلة "الأرض والسيطرة العسكرية" (فرض الحماية الذاتية)
‏التركيز الميداني على حماية وتأمين كامل التراب الجنوبي ومنافذه البحرية والبرية (من المهرة وحضرموت شرقاً إلى باب المندب غرباً).
‏حرمان الأطراف التي أثبتت عدم فاعليتها ك ( مليشيات حزب الإصلاح المتخادمة او المتطافة مع ملشيا الحوثي ) من إدارة الملفات الأمنية والمواقع الإستراتيجية، لمنع إيجاد ثغرات يستغلها الجماعات المتطرفة (القاعدة وداعش) أو الحوثيون.
‏الخيار الثاني: فرض "الشراكة الندّية" في أي تسوية قادمة
‏استخدام السيطرة الميدانية الحصرية على الجنوب والممرات المائية المتاخمة له ككرت ضغط سياسي لا يمكن تجاوزها في أي مفاوضات سلام إقليمية أو دولية.
‏الإصرار على وضع إطار تفاوضي خاص بقضية الجنوب وتقرير المصير كشرط أساسي لضمان استقرار الأمن المائي والعسكري بالمنطقة.
‏الخيار الثالث: بناء أحلاف أمنية إقليمية ودولية مرنة
‏تقديم القوات الجنوبية نفسها للمجتمع الدولي والتحالف كـ "الشريك الوحيد الموثوق والمحارب الجاد للإرهاب والتمدد الإيراني" في المحيط الهندي وخليج عدن وباب المندب.
‏فتح قنوات تنسيق أمني مباشر مع القوى الدولية الموجودة في البحر الأحمر للتعاون في حماية حركة التجارة العالمية وتأمين الملاحة.

‏خلاصة المشهد الإستراتيجي
‏إن حماية مسرح باب المندب والساحل الغربي لم تعد معركة محليّة، بل هي جزء من صراع إقليمي-دولي حول السيطرة على خطوط الملاحة والطاقة، والنجاح في هذا الملف يتطلب تلاحماً وثيقاً بين الغطاء والخبرة الإستراتيجية والبحرية للإمارات العربية المتحدة والقوة الميدانية والعقيدة القتالية الصلبة للقوات الجنوبية، لتشكيل منظومة ردع قادرة على ملء الفراغ، وقطع دابر التمدد الحوثي والإرهابي، وفرض واقع سياسي وأمني جديد يصون أمن الجنوب والجزيرة العربية، وتأمين وحماية طرق التجارة والملاحة العالمية في مضيف باب المدب وخليج عدن والبحرين الاحمر والعربي


‏وللحديث بقية


‏م محمد بن مساعد النقيب
‏21 سبتمبر 2026م
‏العاصمة عدن