« المهرة ليست يمنية ولا جنوبية.. بل عُمانية!! » الكهرباء بوابة النفوذ العُماني في المهرة؟

الإثنين - 19 أكتوبر 2026 - الساعة 08:55 م بتوقيت العاصمة عدن

المهرة. " عدن سيتي. " تقرير: متابعات







� المهرة ليست يمنية ولا جنوبية.. بل عُمانية!! �
الكهرباء بوابة النفوذ العُماني في المهرة؟

من مشروع لإنقاذ الخدمات إلى أسئلة النفوذ الاستراتيجي ومستقبل القرار المحلي


تقرير استقصائي منصة المنصة | #المهرة

الفرضية الاستقصائية: هل يمثل الربط الكهربائي بين سلطنة عُمان ومحافظة المهرة تعاونًا تنمويًا لتلبية احتياجات السكان، أم أنه قد ينشئ، إلى جانب فوائده الخدمية، مسارات جديدة للنفوذ الاقتصادي والسياسي في واحدة من أكثر المناطق اليمنية حساسية من الناحية الجغرافية والاستراتيجية؟


هذا السؤال لا يفترض وجود مخطط للسيطرة، لكنه يفتح ملفًا يستحق الفحص:

من يدير البنية التحتية؟ ما شروط الاتفاقيات؟ وما الضمانات التي تحمي استقلال القرار المحلي إذا أصبح قطاع حيوي كالكهرباء مرتبطًا بإمدادات خارجية؟

───

الفصل الأول: اتفاقية الكهرباء تفتح باب الأسئلة


في السادس من سبتمبر 2026، أعلنت وكالة الأنباء اليمنية �سبأ� توقيع اتفاقية تعاون بين الجمهورية اليمنية وسلطنة عُمان لتنفيذ مشروع الربط الكهربائي بين شبكة محافظة ظفار العُمانية وشبكة محافظة المهرة .


وبحسب الإعلان الرسمي، يتضمن المشروع إيصال الكهرباء إلى حوف وشحن في مرحلته الأولى، بأحمال تقدر بثلاثة ميجاوات لحوف وخمسة ميجاوات لشحن، إضافة إلى أحمال تصل إلى 50 ميجاوات في مدينة الغيضة.
على المستوى الخدمي، يأتي المشروع استجابة لاحتياجات الكهرباء ودعم النشاط التنموي والتجاري في المحافظة.
لكن الأهمية الاستراتيجية للاتفاقية لا تُقاس بحجم الطاقة وحده، بل بطبيعة العلاقة التي ستنشأ بين الجهة الموردة والجهة المستفيدة، وشروط استمرار الإمدادات، وملكية البنية التحتية، والجهات التي ستتولى إدارتها والإشراف عليها.
وهنا تظهر أسئلة جوهرية لم تحسمها المعلومات المنشورة عن الاتفاقية:


• هل نُشرت تفاصيل العقد الفني والمالي وآلية تسعير الكهرباء؟

• ما مدة الاتفاقية، وما شروط تجديدها أو إنهائها؟

• من يتحمل مسؤولية الصيانة والأعطال؟

• هل توجد ضمانات لاستمرار الإمدادات عند وقوع خلافات بين الطرفين؟

• هل تحتفظ المؤسسات الحكومية بكامل صلاحيات التنظيم والرقابة على القطاع داخل المهرة؟

لا تعني هذه الأسئلة أن الاتفاقية تتضمن مخاطر مثبتة، وإنما تمثل الحد الأدنى من المعلومات اللازمة لتقييم آثارها على المدى الطويل.

الفصل الثاني:

لماذا تكتسب المهرة أهمية تتجاوز حدودها الإدارية؟

تقع المهرة في أقصى شرق اليمن، وتحدها سلطنة عُمان من الشرق، والمملكة العربية السعودية من الشمال، وتمتد سواحلها على بحر العرب.
ويمنحها هذا الموقع أهمية تتصل بالتجارة البرية، والمنافذ الحدودية، والموانئ، وحركة النقل البحري، إضافة إلى الروابط الاجتماعية والقبلية الممتدة عبر الحدود.

وقد تناول مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية هذه الأهمية في دراسة بعنوان:

�المهرة اليمنية: من العزلة إلى قلب العاصفة الجيوسياسية�،

المنشورة في يوليو 2019.
ووثقت الدراسة تنافس قوى إقليمية، بينها السعوديةوعُمان، على النفوذ في المحافظة، مع اختلاف أدوات الحضور بين الجوانب العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.
هذه الخلفية تجعل أي مشروع بنية تحتية جديد جديرًا بالدراسة في سياقه الأوسع، لكنها لا تثبت أن مشروع الكهرباء الحالي جزء من استراتيجية للسيطرة.
فالتحليل الاستراتيجي الرصين لا يكتفي بالسؤال عن الجهة التي تمول المشروع أو توفر الخدمة، بل يبحث في الصلاحيات التي تمنحها الاتفاقيات، والاعتماد الذي قد ينشأ عنها، والنتائج التي يمكن إثباتها بالأدلة.

السؤال هنا ليس لماذا تتعاون عُمان مع المهرة ، بل كيف يمكن ضمان أن يخدم هذا التعاون السكان دون أن يؤدي إلى إضعاف قدرة المؤسسات المحلية على اتخاذ قراراتها بصورة مستقلة.


الفصل الثالث: من توفير الخدمة إلى بناء النفوذ

في العلاقات الدولية، لا يقتصر النفوذ على الوجود العسكري أو التدخل المباشر في القرار السياسي.
فقد ينشأ أيضًا من العلاقات الاقتصادية، والمساعدات، والتجارة، والبنية التحتية، والروابط الاجتماعية، والتعاون الفني طويل الأجل.

وتشير دراسة أخرى لمركز صنعاء، نُشرت في ديسمبر 2020 بعنوان
�المهرة: حيث ترسم القوى الإقليمية السياسة المحلية�،

إلى أن عُمان بنت على مدى سنوات علاقات اجتماعية واقتصادية وسياسية مؤثرة في المهرة، بالتوازي مع تنافس إقليمي أوسع على المحافظة.
في ضوء هذه الخلفية، يمكن النظر إلى الربط الكهربائي من زاويتين

الزاوية الأولى: التعاون التنموي.
قد يساعد المشروع على تحسين استقرار الكهرباء، وتخفيف الأعباء عن السكان، ودعم المؤسسات التجارية والخدمية، وتعزيز التكامل الاقتصادي بين المناطق الحدودية.

الزاوية الثانية: الاعتماد الاستراتيجي المحتمل.
إذا أصبحت الإمدادات الخارجية المصدر الأساسي للكهرباء في مناطق واسعة، دون وجود بدائل محلية أو ضمانات تعاقدية مناسبة، فقد ينشأ اعتماد تشغيلي طويل الأجل.

وقد يمنح هذا الاعتماد الطرف المورّد أهمية متزايدة في إدارة احتياجات المنطقة الحيوية، حتى في غياب أي تدخل مباشر في القرار السياسي.
لكن الانتقال من الاعتماد الفني إلى النفوذ السياسي ليس نتيجة حتمية؛ فهو يتوقف على شروط الاتفاقية، وتوافر البدائل، وطبيعة المؤسسات التي تدير القطاع، ومدى استقلال قراراتها.
ولا توجد في الإعلان الرسمي المشار إليه أدلة كافية على أن سلطنة عُمان حصلت بموجب اتفاقية الكهرباء على صلاحيات سياسية أو سيادية داخل المهرة.

الفصل الرابع:

هل يمكن أن تتحول الكهرباء إلى ورقة ضغط؟

تتزايد حساسية مشاريع الطاقة عندما تعتمد منطقة ما على مصدر خارجي يصعب استبداله بسرعة.
فإذا انقطعت الإمدادات أو تعثرت الاتفاقيات، قد تتأثر الخدمات العامة، والنشاط التجاري، والمرافق الصحية، وغيرها من القطاعات التي تحتاج إلى كهرباء مستقرة.
وفي مثل هذه الحالات، قد يتحول الاعتماد التشغيلي إلى نقطة ضعف تفاوضية، خصوصًا إذا غابت البدائل المحلية أو كانت شروط التعاقد غير متوازنة.

ولفهم هذا الاحتمال في حالة المهرة، ينبغي التحقيق في أربعة عناصر:

1. حجم الاعتماد: ما نسبة الكهرباء التي سيغطيها الربط العُماني من إجمالي الطلب الفعلي في المحافظة؟

2. قابلية الاستبدال: هل تستطيع الشبكة المحلية تعويض الإمدادات الخارجية إذا توقفت؟

3. شروط التعاقد: هل تحدد الاتفاقية بوضوح حالات تعليق الإمدادات، والتعويضات، وتسوية النزاعات؟

4. استقلال الإدارة: هل تبقى القرارات التنظيمية والتشغيلية الأساسية بيد المؤسسات الحكومية؟

إذا أظهرت الوثائق أن الإمدادات مضمونة، وأن السلطة المحلية في المهرة تحتفظ بصلاحياتها، وأن مصادر الطاقة البديلة متاحة، فإن كثيرًا من مخاطر الاعتماد يمكن الحد منها.
أما إذا كشفت العقود عن اعتماد مرتفع، أو شروط غير واضحة، أو غياب بدائل عملية، فسيكون ذلك أساسًا موضوعيًا لإثارة مخاوف تتعلق بأمن الطاقة.
المخاطرة التي تستحق التحقيق ليست وجود الكهرباء القادمة من عُمان، بل احتمال أن يصبح استمرار خدمة أساسية مرهونًا بترتيبات لا تملك المؤسسات الحكومية قدرة كافية على التحكم فيها أو مراجعتها.

الفصل الخامس:

الخدمات السيادية.. أين ينتهي التعاون وأين تبدأ المخاطر؟

يتطلب الحديث عن الخدمات السيادية التمييز بين تقديم الدعم الفني أو المالي وبين منح جهة خارجية سلطة تشغيلية أو إدارية على مرفق حيوي.
فالكهرباء، رغم أهميتها للأمن الاقتصادي والخدمي، لا تعني بذاتها نقل صلاحيات سيادية.
لكن الأسئلة تصبح أكثر حساسية إذا امتد التعاون إلى قطاعات مثل:

• إدارة الموانئ والمنافذ الحدودية.
• الجمارك وتحصيل الإيرادات.

• الاتصالات الحكومية والبنية التحتية الرقمية.

• قواعد البيانات الرسمية والمعلومات الحساسة.

• إدارة المرافق الحيوية أو التحكم في أنظمتها التشغيلية.
في كل قطاع من هذه القطاعات، يجب فحص طبيعة الاتفاقيات، وملكية الأصول، والجهة التي تملك صلاحية اتخاذ القرار، وحدود الوصول إلى المعلومات، وآليات الرقابة والمساءلة.
ولا يجوز افتراض أن الربط الكهربائي يتضمن تعاونًا في هذه المجالات ما لم تظهر وثائق أو بيانات موثوقة تثبت ذلك.
ولذلك، فإن الادعاء بوجود تمدد إلى الخدمات السيادية يحتاج إلى تحقيق مستقل يتجاوز اتفاقية الكهرباء، ويبحث عن أدلة مباشرة على طبيعة المشاريع الأخرى وشروطها.

الفصل السادس:

ماذا تقول التجارب السابقة في المهرة؟

تُظهر الدراسات السابقة أن التنافس الإقليمي على المهرة ليس موضوعًا جديدًا.
ففي دراسة مركز صنعاء لعام 2019، تناول الباحثون الخلافات التي رافقت الوجود العسكري السعودي، والاحتجاجات المحلية، وأهمية المنافذ والموانئ، إضافة إلى الروابط التاريخية والاجتماعية بين المهرة وعُمان.
كما ناقشت دراسة المركز لعام 2020 تأثير المصالح الإقليمية في السياسة المحلية، وأوضحت أن النفوذ قد يُمارس من خلال مزيج من الحضور الأمني والمساعدات والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية.
لكن الاستناد إلى هذه الوقائع التاريخية لا يبرر إسقاط نتائجها تلقائيًا على الاتفاقية الجديدة.
فلكل مشروع ظروفه، وأطرافه، وشروطه القانونية، وآثاره المحتملة.
ولهذا ينبغي أن ينطلق التحقيق من فرضية قابلة للاختبار، لا من نتيجة مقررة مسبقًا: هل تعزز الاتفاقية قدرة المهرة على الحصول على الكهرباء، أم تنشئ اعتمادًا يمكن أن يؤثر في خياراتها المستقبلية؟ وما الشروط التي تحدد الإجابة؟

الفصل السابع:

الوثائق التي يجب الحصول عليها لكشف الصورة الكاملة
لكي يتحول هذا الملف من تحليل استراتيجي إلى تحقيق استقصائي مكتمل، لا بد من الحصول على وثائق أصلية ومقابلات مستقلة.
وتشمل قائمة التحقيق المقترحة:

أولًا: الوثائق التعاقدية

• النص الكامل لاتفاقية الربط الكهربائي.

• الملاحق الفنية والمالية.

• مدة التعاقد وشروط التجديد والإنهاء.

• آلية تسعير الكهرباء وتسوية النزاعات.

• توزيع مسؤوليات الصيانة والتشغيل.

ثانيًا: الوثائق الفنية

• دراسة الجدوى الاقتصادية والفنية.

• تقديرات الطلب الحالي والمستقبلي على الكهرباء.

• الطاقة المتاحة فعليًا من الشبكة المحلية.

• كلفة الربط مقارنة بالبدائل المحلية.

• خطة التعامل مع الانقطاعات والطوارئ.

ثالثًا: وثائق الحوكمة والرقابة

• الجهة اليمنية المسؤولة عن إدارة المشروع.

• حدود الصلاحيات الممنوحة للشركات أو الجهات المنفذة.

• آليات التدقيق المالي والرقابة على الإنفاق.

• الضمانات المتعلقة بملكية البنية التحتية والبيانات التشغيلية.

رابعًا: المقابلات الميدانية

• مسؤولو الكهرباء في المهرة.

• السلطة المحلية والجهات الحكومية المختصة.

• مهندسون وخبراء مستقلون في قطاع الطاقة.

• ممثلو التجار والمرافق الصحية والمستهلكون.

• الجهات العُمانية واليمنية المعنية بالمشروع.
وينبغي منح الأطراف المعنية فرصة الرد على الأسئلة الجوهرية، ومقارنة تصريحاتها بالوثائق والبيانات الفنية.
كما يجب عدم نشر أي اتهام يتعلق بنوايا سياسية أو أمنية دون أدلة قابلة للتحقق.

الفصل الثامن:

ثلاثة سيناريوهات لمستقبل المشروع
استنادًا إلى طبيعة الاتفاقية المعلنة، يمكن اختبار ثلاثة سيناريوهات، دون الجزم بأن أيًا منها سيقع.

السيناريو الأول: تكامل تنموي متوازن.
تستفيد المهرة من الكهرباء المستوردة، مع احتفاظ المؤسسات اليمنية بإدارة القطاع، ووجود ضمانات لاستمرارية الإمدادات، وتطوير مصادر محلية مكملة.
في هذه الحالة، يمكن أن يشكل المشروع دعمًا للخدمات والتنمية دون إنشاء اعتماد مفرط على طرف واحد.

السيناريو الثاني: اعتماد تشغيلي متزايد.
تتوسع حصة الكهرباء المستوردة، بينما يتباطأ تطوير مصادر الطاقة المحلية، ولا تتوافر بدائل كافية عند الانقطاع.
هنا تظهر مخاطر تتعلق بأمن الطاقة واستمرارية الخدمات، حتى لو ظلت العلاقة السياسية بين الطرفين مستقرة.

السيناريو الثالث: تداخل المصالح الخدمية والسياسية.
إذا امتدت الاتفاقيات إلى قطاعات أخرى، أو منحت جهة خارجية صلاحيات تشغيلية واسعة، فقد تصبح الحاجة إلى مراجعة الحوكمة والرقابة أكثر إلحاحًا.
ولا يمكن إثبات هذا السيناريو إلا من خلال وثائق وشواهد مستقلة توضح طبيعة الترتيبات والصلاحيات الفعلية.

───

الخلاصة الاستقصائية: القضية في شروط الاتفاقية لا في الشعارات
الربط الكهربائي بين عُمان والمهرة مشروع معلن له أهداف خدمية وتنموية واضحة في التصريحات الرسمية.
وفي المقابل، فإن الموقع الجغرافي للمهرة، وتاريخ التنافس الإقليمي فيها، وأهمية الطاقة لاستمرار الحياة الاقتصادية، تجعل من الضروري إخضاع المشروع لفحص دقيق من حيث الشفافية، والحوكمة، وأمن الإمدادات، واستقلال القرار المحلي.
لكن المعلومات المتاحة لا تثبت أن الاتفاقية تمثل أداة للسيطرة السياسية، أو أنها تتضمن نقل صلاحيات سيادية إلى سلطنة عُمان.
وحتى تتوافر الوثائق الأصلية والبيانات الفنية والمقابلات المستقلة، يبقى الحديث عن تحول المشروع إلى ورقة ضغط أو بوابة للنفوذ السياسي فرضية تستحق التحقيق، لا حقيقة يجوز تقديمها للجمهور على أنها مثبتة.
إن حق أبناء المهرة في الكهرباء لا يتعارض مع حقهم في معرفة شروط الاتفاقيات التي تؤثر في خدماتهم ومستقبل محافظتهم.
والشفافية هنا ليست موقفًا ضد التعاون مع عُمان، بل ضمانة لكي يكون التعاون واضح المصالح، ومتوازن الالتزامات، وخاضعًا للمساءلة.
السؤال الذي ينبغي أن يجيب عنه التحقيق النهائي: هل تضع اتفاقية الربط الكهربائي أساسًا لشراكة تنموية تحمي استقلال القرار اليمني، أم أنها تنشئ نقاط اعتماد استراتيجية لم تُكشف تفاصيلها للرأي العام بعد؟
الإجابة لن يقدمها التخمين، بل ستكشفها الوثائق، والأرقام، وشروط العقود، والقدرة الفعلية للمؤسسات اليمنية على إدارة قطاعها الحيوي.

متعلقات