خلال فترة الحرب العالمية الثانية، طوّر الألمان عددا من الأسلحة التي وصفها كثيرون بالسابقة لعصرها. وإضافة للطائرة النفاثة وأولى الصواريخ الباليستية والدبابات والمدافع العملاقة، طور الألمان قنبلة فريتز إكس (Fritz X) التي صنفت كواحدة من أولى القنابل الموجهة. فعقب إلقائها من الطائرة، يتكفل الطيار بتوجيهها عبر الراديو اعتمادا على نظام إشارات عن بعد.
وما بين عامي 1943 و1944، حاول الأميركيون أيضا صناعة قنبلة موجهة قادرة على إصابة أهدافها بدقة. وانطلاقا من ذلك، ظهر مشروع الحمام (Project Pigeon) بهدف إنتاج نوع من القنابل الموجهة عبر طائر الحمام.
صورة لبورهوس فريدريك سكينر رفقة حمامة - أرشيفية
فكرة استخدام الحمام
بداية من العام 1943، اتجهت الولايات المتحدة الأميركية للبحث عن طريقة لزيادة دقة عمليات القصف الجوي وضمان سقوط القنابل على أهدافها. فبتلك الفترة، كانت عملية التحكم بالقنابل الكلاسيكية مستحيلة عقب إلقائها. وأمام محدودية أنظمة التحكم حينها، اتجهت الولايات المتحدة الأميركية لتمويل مشاريع للتزود بقنابل موجهة قادرة على إصابة وإغراق السفن اليابانية بالمحيط الهادئ.
وضمن هذا السياق، جاء المختص بعلم النفس والسلوكيات الأميركي بورهوس فريدريك سكينر (Burrhus Frederic Skinner) بفكرة فريدة من نوعها حيث تحدث الأخير عن إمكانية تدريب الحمام واستغلاله بشكل جيد لتوجيه القنابل نحو هدفها بدقة.
صورة لعملية تدريب الحمام - أرشيفية
حسب فكرة المختص بعلم النفس والسلوكيات بورهوس فريدريك سكينر، سيتم الإعتماد على قدرة الحمام على التمييز والتفريق بين الصور وإجبار هذه الطيور على اكتساب سلوكيات جديدة عبر ما يعرف بنظام المكافآت التي تمثلت في بعض الطعام بالنسبة للحمام. وقد اقترح سكينر حينها وضع حمامة، مدربة، بمقدمة القنبلة بحيث تكون أمام شاشة تعرض صورة الهدف. وعند تدريب الحمامة على نقر صورة السفينة فإنها ستحاول إبقاء تلك الصورة بوسط الشاشة. وفي الأثناء، ستتحول نقرات الحمام لإشارات كهربائية تتحكم بعملية توجيه القنبلة. أيضا، تحدث هذا الأخصائي الأميركي بعلم النفس والسلوكيات عن استخدام 3 حمامات بالقنبلة الواحدة لزيادة الدقة حيث يتم دمج استجاباتها، ونقراتها، جميعا لتحديد الإتجاه المطلوب.
وعقب بدايات متعثرة، نجح بورهوس فريدريك سكينر في إقناع المسؤولين العسكريين الأميركيين بفكرته. وبحلول شهر يونيو (حزيران) 1943، حصل الأخير على تمويل بلغت قيمته 25 ألف دولار لمواصلة أبحاثه. وقد اقتنعت الإدارة الأميركية حينها بفكرة سكينر بسبب التكلفة المرتفعة والأنظمة المعقدة لتكنولوجيا التحكم عن بعد. وفي المقابل، كانت فكرة استخدام الحمام أقل تكلفة وأقل تعقيد.
بشكل مفاجئ، تخلت الإدارة الأميركية يوم 8 أكتوبر (تشرين الأول) 1944 عن مشروع الحمام لبورهوس فريدريك سكينر. فعلى الرغم من التجارب الواعدة التي أجراها الأخير، عانى الخبراء من صعوبات عديدة لترجمة حركات الحمام والنقر على الشاشة للتحكم بالقنبلة.
عقب الحرب العالمية الثانية، أعادت البحرية الأميركية عام 1948 إحياء مشروع الحمام مجددا للتزود بقنابل موجهة. وقد حمل المشروع الجديد حينها إسم أوركون (Orcon) وظل قيد الأبحاث حتى إلغائه بشكل نهائي بحلول العام 1953.