فرج البحسني و نداء المسؤولية الوطنية تعكس صلابة العسكري وحكمة السياسي: فهو قليل الكلام، و كثير العطاء

الأربعاء - 14 أكتوبر 2026 - الساعة 07:22 م بتوقيت العاصمة عدن

حضرموت "عدن سيتي"خاص



إن النداء الذي وجّهه اللواء الركن فرج سالمين البحسني إلى الرأي العام الجنوبي، بمناسبة الذكرى الثالثة والستين لثورة الرابع عشر من أكتوبر المجيدة، لا يمكن قراءته باعتباره مجرد دعوة إلى إحياء مناسبة وطنية أو تجاوز الخلافات السياسية، بل ينبغي النظر إليه في سياق مسيرة عسكرية وسياسية حافلة بالمحطات المفصلية في تاريخ الجنوب.

يُعدّ اللواء الركن فرج سالمين البحسني من القيادات العسكرية التي عاصرت مراحل مهمة من تاريخ القوات المسلحة لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية قبل الوحدة، وواصل مسيرته العسكرية بعدها. وقد التقيتُ به شخصياً حين كان قائداً لجبهة الخرز خلال حرب عام 1994، وهي محطة تمنحني بُعداً مباشراً في التعرف على جانب من تجربته العسكرية.

وفي عام 2016، برز دوره في تأسيس قوات النخبة الحضرمية، التي حظيت بدعم دولة الإمارات العربية المتحدة في مجالي التدريب والتسليح، وأسهمت في العمليات العسكرية التي أفضت إلى تحرير مدينة المكلا من تنظيم القاعدة. ثم تولّى قيادة المنطقة العسكرية الثانية، التي شهدت في عهده تطوراً في أدائها العسكري والأمني، قبل أن يتولى منصب محافظ حضرموت، جامعاً بذلك بين المسؤولية العسكرية والإدارة المدنية.

ومع تأسيس مجلس القيادة الرئاسي، أصبح البحسني عضواً فيه، ممثلاً لحضرموت ومحافظات الشرق في مرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها التحديات الأمنية والعسكرية مع الخلافات السياسية وتباين الرؤى بشأن مستقبل الجنوب.

ومن هنا، تكتسب دعوته الأخيرة إلى وحدة الصف الجنوبي دلالة تتجاوز مضمونها المباشر؛ فهي صادرة عن شخصية عايشت تحولات المؤسسة العسكرية الجنوبية قبل الوحدة وبعدها، وخبرت ميادين المواجهة، وتولت مسؤوليات عسكرية وإدارية وسياسية. وهي تجربة تؤكد أن القوة لا تُقاس بالسلاح وحده، بل أيضاً بتماسك الصف، ووحدة القرار، والقدرة على حماية المكتسبات الوطنية.

إن قيمة هذا النداء تكمن في توقيته ومضمونه، وفي تأكيده أن الجنوب أكبر من خلافات مكوناته، وأن أمنه واستقراره وكرامة شعبه ينبغي أن تتقدم على المصالح الضيقة والحسابات الفئوية. فالتحديات التي تواجه الجنوب لا تستدعي فقط استحضار تضحيات الماضي، بل تتطلب أيضاً استخلاص دروسها، وتعزيز الثقة بين مكوناته، وبناء مؤسسات قادرة على صون المكتسبات والاستجابة لتطلعات شعبه.

لقد عُرف البحسني، في نظر من تابعوا مسيرته، بالميل إلى العمل أكثر من الإكثار من الكلام، وبالحضور في محطات المسؤولية العسكرية والسياسية. ولذلك يمكن النظر إلى ندائه باعتباره دعوة إلى تغليب منطق المسؤولية الوطنية على منطق الخلاف، وإلى تحويل التضحيات والتجارب المتراكمة إلى قوة تدعم التماسك الجنوبي وتحمي مستقبله.

شخصية فرج البحسني تذكّرنا بأن المسؤولية الوطنية لا تُقاس بكثرة التصريحات، بل بما يتركه أصحابها من أثر في الميدان وفي حياة الناس.

متعلقات