دراسة جديدة تشير إلى أن الكلاب تستخدم أسلوباً مدهشاً لفهم اللغة البشرية

الإثنين - 28 سبتمبر 2026 - الساعة 02:00 ص بتوقيت العاصمة عدن

عدن سيتي-متابعات



يتمتع البشر بقدرات لغوية متطورة قد تكون فريدة من نوعها بين الكائنات الحية، ولكن يبدو أن الكلاب قد تعلمت بعضاً من أساليبنا.
في بحث جديد أُجري في المجر ونُشر هذا الأسبوع في مجلة "ساينس" (Science)، وجد العلماء أن الكلاب تستخدم الاستراتيجية ذاتها التي يتبعها الرضع لتمييز الكلمات وسط تدفق الكلام؛ إذ تعتمد على الإنصات للأصوات الساكنة (الحروف غير المتحركة) لتحديد موضع نهاية كلمة وبداية أخرى.
وأوضح أتيلا أنديكس، عالم الأعصاب الإدراكي في جامعة "إيتفوس لوراند" في بودابست ومؤلف الدراسة الجديدة، قائلاً: "هذا ما نسميه ’الانحياز للأصوات الساكنة‘. فما نثبته هنا هو دليل على أن الكلاب -على عكس الثدييات الأخرى- تقوم بالأمر نفسه؛ فهي أيضاً تعالج الكلام معتمدةً على الانحياز للأصوات الساكنة".
ولإجراء هذه الدراسة، أحضر الباحثون 20 كلباً و20 إنساناً إلى المختبر وأسمعوهم سلاسل من كلمات لا معنى لها؛ بعضها يتبع أنماطاً تعتمد على الأصوات الساكنة، وبعضها على الأصوات المتحركة (حروف العلة)، وبعضها الآخر لا يتبع أي نمط محدد. وقد جمع العلماء بيانات تخطيط كهربية الدماغ (EEG) لقياس النشاط الدماغي، حسبما أوردت صحيفة واشنطن بوست الأميركية.
تجدر الإشارة إلى أن بعض الكلاب عاشت مع عائلات طوال حياتها، بينما قضى البعض الآخر فترات في الملاجئ أو في الشوارع خلال مرحلة الجراء؛ مما أتاح للباحثين اختبار ما إذا كان التعرض المبكر للغة أمراً حاسماً لاكتساب الكلاب القدرة على تمييز الكلمات وفصلها عن طريق الإنصات للأصوات الساكنة.
ووجد الباحثون أن كلاً من الكلاب والبشر أظهروا نشاطاً دماغياً متزايداً عند سماع الأنماط التي تعتمد على الأصوات الساكنة، بما في ذلك الكلاب التي لم تتعرض للكلام إلا في مرحلة لاحقة من حياتها.
وقال أنديكس: "تسلط هذه الدراسة ضوءاً جديداً على ما نعرفه عن تطور اللغة؛ فهي تشير إلى أن الكلام يمكن أن يشكّل أدمغة الحيوانات التي لا تمتلك تلك القدرات اللغوية البشرية المعقدة والفريدة".
قدرة شبيهة بقدرة البشر على تمييز الكلمات
تُعد هذه الدراسة إضافة إلى مجموعة متنامية من الأبحاث التي كشفت أن الكلاب تتفاعل مع اللغة بطريقة تبدو مشابهة لتفاعل الأطفال الصغار معها.
وفي هذا السياق، قال فرانسيس سوبياول، عالم الإدراك والأستاذ المشارك في جامعة جورج واشنطن (والذي لم يشارك في الدراسة): "يواجه الرضع تحدياً فريداً...". "عليهم تعلم هذه الإشارة المعقدة للغاية. فكّر فقط في إشارة الكلام؛ إنها تتسم بقدر كبير من التباين والتشويش؛ فأصوات الرجال تختلف عن أصوات النساء، وأصوات كبار السن تختلف عن أصوات الصغار، ومع ذلك يتعين علينا تجاوز كل هذا الضجيج والوصول إلى جوهر الأمر: تحديد الكلمات ومن ثم فهم معانيها."
وأشار سوبياول إلى أن حقيقة اكتساب الكلاب لهذه القدرة تعكس مدى توافقها وانسجامها معنا.
وقال سوبياول: "إنها تنصت وتهتم بما يدور حولها، وتعمل هذه التجارب على تشكيل أدمغتها بطرق تشبه إلى حد كبير كيفية تشكيل التجارب ذاتها لأدمغة أطفالنا."
وثمة سؤال كبير يطرح نفسه: هل يعود ذلك إلى كيفية تطور الكلاب عبر عملية الاستئناس على مدى 15 ألف عام تقريباً، أم أنها قدرة كانت كامنة لديهم منذ البداية؟
وأضاف سوبياول: "للإجابة على هذا السؤال، أنت بحاجة إلى مجموعة ضابطة أساسية: الذئاب." وأوضح أنه يمكن للباحثين إجراء دراسة يقومون فيها بتربية الذئاب في بيئات غنية بالكلام لمعرفة ما إذا كانت ستطور القدرات نفسها، لكنه يرجح ألا يحدث ذلك؛ نظراً لأن أبحاثاً أخرى تظهر الدور الهائل الذي لعبته عملية الاستئناس في خلق حالة من الانسجام والتناغم بين الكلاب والبشر.
وفي دراسات سابقة، وجد العلماء أن التفاعل بين الكلاب والبشر يؤدي إلى زيادة مستويات الأوكسيتوسين لدى الطرفين، وهو هرمون الترابط الذي ترتفع معدلاته لدى الآباء والأطفال الرضع.
وقال سوبياول: "لا يمكن تفسير ذلك إلا من خلال عملية الاستئناس."
لقد عمل سوبياول بشكل مكثف مع الرئيسيات، وهو يعتقد أنه على الرغم من ذكائها، فإنها لن تحقق النتائج ذاتها التي تحققها الكلاب في هذه الاختبارات.
علم الكلاب تراقب أصحابها أكثر مما نعتقد.. حتى رمش العين
وقال: "يبدو أن الكلاب أكثر انسجاماً عاطفياً مع البشر، كما أنها أكثر حساسية بكثير للإشارات الاجتماعية البشرية؛ فهي أكثر استجابة لنظرات العيون ولإشارات توجيه الانتباه (مثل الإشارة بالإصبع) مقارنة بالرئيسيات. ونحن نعتقد أن كل ذلك نتاج لعملية الاستئناس."
كانت هذه الدراسة الجديدة محدودة النطاق نسبياً، وهناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث لتأكيد النتائج وفهم الكيفية التي طورت بها الكلاب هذه القدرة بشكل كامل.
غير أن الباحثين أشاروا إلى أن هذا الأمر يعزز فهمنا لكيفية نشوء رابطة وثيقة لا تنفصم عراها بين البشر والكلاب على مر آلاف السنين.
وفي هذا الصدد، قالت أمريثا ماليكارجون، وهي باحثة مشاركة في مرحلة ما بعد الدكتوراه بجامعة هارفارد (ولم تشارك في هذه الدراسة): "إن هذا يبرز التاريخ الطويل والمهم الذي يجمعنا؛ فقد أدت تجاربنا المشتركة خلال عملية استئناس الكلاب إلى تشكيل أدمغتها وأدمغتنا على حد سواء، وهو ما يتجلى بوضوح في كافة الأبحاث التي تتناول لغة الكلاب وسلوكها الاجتماعي. وأعتقد أن هذا يضيف بُعداً جديداً لقصة الكلاب وعلاقتها بنا".

متعلقات