نور ٢٦سبتمبر يطلّ علينا رغم عتمة نكبة ٢١ سبتمبر
السبت - 26 سبتمبر 2026 - الساعة 11:47 م بتوقيت العاصمة عدن
اليمن "عدن سيتي " أسامة العمري
أعيد اليوم نشر مقالتي عن ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، متأملًا المسافة الهائلة بين ثورة فتحت لليمنيين أبواب الجمهورية والمواطنة، وانقلاب أعاد إليهم ملامح الإمامة وطبقاتها تحت شعارات جديدة.
لم تكن ثورة ٢٦ سبتمبر ١٩٦٢ حدثًا عابرًا، بل تحوّلًا تاريخيًا نقل اليمن من حكم امامي فردي والامتياز الوراثي "التأهيلية" إلى مشروع دولة جمهورية يتساوى فيها المواطنون من حيث المبدأ والحقوق.
وقد دفع ثمن ذلك التحول آلاف اليمنيين من الضباط والجنود والثوار الأحرار، من أبناء الشمال والجنوب، ومعهم جنود وضباط مصريون، قدّموا أرواحهم دفاعًا عن الجمهورية الوليدة.
ولكي ندرك عظمة سبتمبر، علينا أن نتذكر الواقع الذي ثار عليه اليمنيون، وأن ننظر إلى حياة الإنسان والمجتمع والدولة في ظل الإمامة.
الإنسان في عهد الإمامة
تبدأ كرامة الإنسان من حقه في الغذاء والعلاج والكساء والتعليم والحرية والأمان. لكن غالبية اليمنيين في عهد الإمامة عاشوا وسط الفقر والمرض والجهل والعزلة، وكانت الخدمات الصحية والتعليمية شبه غائبة عن معظم المناطق.
كان غذاء الأسرة اليمنية محدودًا بما تنتجه الأرض من الذرة والحبوب واللبن والخضراوات، وكانت اللحوم والسمن من الكماليات التي لا يجدها كثير من الناس إلا في الأعياد والمناسبات. وفي مناطق عديدة، كان الآباء يدفعون للفقيه أجرة تعليم أبنائهم من قوت الأسرة؛ بيضًا أو جبنًا أو حبوبًا، مؤثرين تعليم أبنائهم على حاجاتهم اليومية.
لم يكن اليمني يُعامل بوصفه مواطنًا كامل الحقوق، بل فردًا في مجتمع تحكمه مراتب اجتماعية وسياسية صارمة، تتقدم فيها طاعة الإمام على حرية الإنسان وكرامته.
المجتمع في ظل الطبقية والعزلة
يقوم المجتمع السليم على المساواة والعدل والتكافل والأمن وحرية الفكر والإبداع. أما في عهد الإمامة، فقد ساد التفاوت الطبقي، وضاقت فرص التعليم والتنقل والعمل، وعاش معظم السكان في قرى وأرياف معزولة تفتقر إلى أبسط الخدمات.
وكان الإعلام محدودًا وخاضعًا للسلطة، يدور حول تمجيد الإمام وولي العهد ورجال الحكم المجرمين. كما ضاق المجال الثقافي والأدبي، فاستُخدم الشعر والخطاب الديني لتبرير السلطة وإضفاء القداسة عليها.
وليس معنى ذلك أن اليمنيين افتقروا إلى العقل أو الإبداع، بل إن الاستبداد والعزلة حرماهم من فرص المعرفة والانفتاح. فالإنسان الذي لا يرى نموذجًا أفضل قد يظن أن واقعه هو أفضل ما يمكن الوصول إليه.
الدولة التي غابت عن حياة الناس
تُعرف الدولة بالتعليم والصحة والاقتصاد والوظائف والمرتبات والضمان الاجتماعي، وبوجود جيش وطني ومؤسسات وقضاء وبنية تحتية من طرق وكهرباء ومياه واتصالات.
لكن هذه المقومات كانت معدومة في عهد الإمامة وان وجدت فهي تختص بطبقة السادة "الهاشميين".
غابت المدارس والمستشفيات عن معظم البلاد، وضعفت الطرق والمواصلات، وانتشرت الأمية والأوبئة والفقر. وكان مفهوم الأمن يُختزل في حماية سلطة الإمام، وملاحقة المعارضين، وجمع الجبايات، ومعاقبة الضعفاء، بينما يتمتع المقربون من الحكم بالحماية والامتيازات ونهب حقوق اليمنيين.
وهنا تظهر المفارقة المؤلمة بين الماضي والحاضر؛ فما أشبه اليوم بالبارحة حين تتحول مؤسسات الدولة إلى أدوات لخدمة جماعة، وتُصادر الثروة لمصلحة المتنفذين، ويُطارد المعارض وتملأهم السجون، بينما يُحمى من ينهب حقوق الناس ما دامه "هاشمي" موالي لظلمهم.
ماذا صنعت ثورة ٢٦ سبتمبر؟
أسدلت ثورة سبتمبر الستار على الحكم الإمامي، وأعلنت أن اليمنيين مواطنون لا رعايا، وأن الحكم حق للشعب وليس امتيازًا وراثيًا لعائلة أو سلالة.
ومع قيام الجمهورية، بدأت المدارس تنتشر، واتسعت فرص التعليم، وشُقت الطرق، وأُنشئت المستشفيات والمؤسسات، والتحق اليمنيون بالجامعات والوظائف المدنية والعسكرية.
لم يتحقق كل شيء، ولم تكن التجربة الجمهورية خالية من الأخطاء والصراعات، لكنها غيرت اتجاه التاريخ وفتحت أمام الإنسان اليمني أبوابًا كانت مغلقة.
وجاء عهد الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي رحمة الله تغشاه ليجسد حلم الدولة والنظام والتنمية، ويترك في الذاكرة اليمنية نموذجًا للقيادة القريبة من الناس. ثم شهد اليمن في عهد الرئيس الشهيد علي عبدالله صالح رحمة الله تغشاه توسعًا في التعليم والطرق والمؤسسات، وتحقيق الوحدة اليمنية، رغم ما رافق تلك المرحلة من أخطاء وإخفاقات. وقد ختم حياته وهو يواجه المشروع الحوثي الذي سعى إلى تقويض الجمهورية وإعادة حكم السلالة بقوة السلاح.
من نور ٢٦ سبتمبر إلى عتمة ٢١ سبتمبر
إذا كانت ثورة ٢٦ سبتمبر قد قامت لتحرير اليمني من حكم السلالة، فإن انقلاب ٢١ سبتمبر ٢٠١٤ أعاد إنتاج الفكرة نفسها بوسائل وشعارات مختلفة.
استولت جماعة الحوثيين على مؤسسات الدولة بقوة السلاح، ووضعت الجماعة ومصالح #ايران فوق الوطن، والولاء فوق الكفاءة، والنسب فوق المواطنة.
ثم عادت الجبايات، وانقطعت مرتبات الموظفين، وضاقت الحريات، وانتشر الخوف، ودُفع الأطفال والشباب إلى جبهات الموت، بينما تُقدَّم هذه الكارثة للناس باعتبارها «ثورة».
لكن الثورة الحقيقية لا تُجوّع المواطن، ولا تصادر راتبه، ولا تعتقله بسبب رأيه وعن جوعة، ولا تجعل أبناءه وقودًا للحرب.
الثورة تبني مدرسة ومستشفى وطريقًا، وتحفظ كرامة الإنسان وتساوي بين المواطنين.
ولهذا، فإن الخلاف مع الحوثيين ليس خلافًا مذهبيًا أو مناطقيًا، بل مواجهة مع مشروع سياسي مسلح يعيد إنتاج الامتياز السلالي ويصادر حق اليمنيين في اختيار حكامهم.
فالجمهورية تتسع لجميع اليمنيين، أما السلالية السياسية فتقسمهم إلى درجات، وتمنح فئة حق الحكم، وتطلب من بقية الشعب الطاعة والتضحية.
احذروا الإمامة الجديدة
يا أبناء اليمن، احذروا الإمامة وإن بدلت اسمها، ورفضوا السلالية وإن ارتدت ثوب الثورة ورفعت العلم الجمهوري. فالمشروع الذي يميز بين اليمنيين بحسب النسب، ويحول الدولة إلى ملكية خاصة، ويجعل الشباب وقودا لبقائه، ليس مشروع تحرير ولا كرامة.
إن الوفاء لثورة ٢٦ سبتمبر لا يكون بمجرد الاحتفال بذكراها، بل بالدفاع عن مبادئها: الجمهورية، والمساواة، والمواطنة، وسيادة القانون، وحق الشعب في اختيار حكامه ومحاسبتهم.
سيظل نور ٢٦ سبتمبر حاضرًا مهما اشتدت عتمة نكبة ٢١ سبتمبر؛ لأن اليمني الذي عرف معنى الجمهورية لن يقبل العودة رعية، والشعب الذي كسر قيود الإمامة مرة قادر على حماية حريته واستعادة دولته.
عاشت ثورة ٢٦ سبتمبر، وعاشت الجمهورية اليمنية، ولا عودة لحكم السلالة والإمامة، ولا تنسوا الاصطفاف الى جانب الابطال في جبهات مواجهة هذا المشروع اما عسكرياً او نشر الوعي بين اوساط اهالينا وأقاربنا وأصدقاءنا وكل من نحب.
#ثورة_٢٦_سبتمبر
#نكبة_٢١_سبتمبر
#لا_للسلالية_الحوثية
#تحيا_الجمهورية_اليمنية
بقلم/ #أسامة_العمري