اليمن والمدخل المزدوج نحو انفراج شامل: غربًا باستعادة الساحل وتقليص النفوذ الإيراني؛ وشرقًا ببناء شراكات التنمية والاستقرار الإقليمي.

الخميس - 24 سبتمبر 2026 - الساعة 05:25 م بتوقيت العاصمة عدن

اليمن "عدن سيتي " خاص



*أسعد الله أوقاتكم بالمسرّات، أعزائي جميعًا.*

يسرّني أن أشارككم رابط مقابلتي الأولى على *قناة «الجنوب اليوم»* مساء الخميس المنصرم، ضمن *برنامج «مسار الجنوب»،* والتي شاركتُ فيها من الرياض، مع الإعلامي المبدع الأخ وليد باكدادة، وبمشاركة كريمة من العقيد محسن ناجي من عدن.

*تناولنا انتكاسة القوات الحكومية في الجزء الجنوبي من ساحل تهامة، وسبل استعادة المبادرة، ودور اليمن في فك الترابط الخانق بين تهديدات باب المندب وهرمز وتداعياتها على الملاحة والطاقة والتجارة العالمية.* وناقشنا كذلك *ما يتيحه ساحل اليمن الشرقي من فرص لتنويع مسارات الطاقة وبناء شراكات تنموية بين دول الجزيرة والخليج، عبر مشروع «أسترا»:*
ASTRA: Arabian Sea Transit and Resilience Architecture
«بنية بحر العرب للعبور والمرونة الاستراتيجية».

*ولتيسير متابعة النقاش في الحلقة، أوجز هنا المحورين اللذين ارتكزت عليهما مداخلاتي:*

*أولًا: غربًا… استعادة المبادرة وربط المعرفة بالقرار والتنفيذ.*

تكمن المعضلة في الفجوة بين إدراك الخطر والاستعداد لمواجهته. فحين تتعدّد مرجعيات القوات وقنوات دعمها، وتتداخل المسؤوليات وتغيب المساءلة، لا تتحوّل التحذيرات إلى جاهزية، ولا تُستخلص من الانتكاسات دروس تمنع تكرارها.

المخرج يبدأ باستعادة القرار الوطني، وتوحيد القيادة، وانتظام الموارد، وإخضاع التشكيلات المسلحة لمؤسسات الدولة، ضمن غاية واضحة: دولة تحمي مواطنيها وأرضها، وتحتكر السلاح وقرار الحرب والسلم، وتعالج الخلافات والمظالم سياسيًا. وعلى الشركاء الإقليميين والدوليين إسناد هذه المرجعية وتنسيق دعمهم بما يعزّز وحدة القرار وفاعلية التنفيذ.

وهنا تتجلّى ضرورة التكامل بين دوائر الردع الثلاث: اليمنية والإقليمية والدولية؛ بغاية سياسية مشتركة، ومسؤوليات محدّدة، وإسناد منسّق، وقرار يمني تتولّاه مؤسسات الدولة. فاستعادة سلطتها على تهامة والساحل الغربي، وإنهاء قدرة الحوثيين على تهديد باب المندب، مصلحة مشتركة لليمن والمنطقة والعالم؛ إذ تسهم في كسر قدرة إيران وحلفائها على توظيف الخطر عند المضيقين معًا للضغط على الملاحة وإمدادات الطاقة وسلاسل التوريد.

ويجب أن تقترن استعادة الساحل بحماية السكان وتوفير الخدمات والإدارة المسؤولة، حتى يتحوّل المكسب الميداني إلى أمن مستدام وثقة بالدولة. ويُقاس نجاح الاحتواء بقدرته على خدمة هذه الغاية؛ أما إذا منح الجماعة وقتًا لتجديد قدراتها وأبقى الدولة عاجزة عن المبادرة، فإنه يؤجّل الخطر ويرفع كلفة مواجهته.

*ثانيًا: شرقًا… «أسترا» من منفذ للطاقة إلى شراكة للتنمية والاستقرار.*

تمتد جذور فكرة نقل نفط وغاز الجزيرة والخليج إلى بحر العرب عبر اليمن لأكثر من أربعة عقود. وكان عدم تسوية الحدود أحد العوائق أمامها، قبل أن يزيل اتفاق الحدود اليمني–السعودي عام 2000 عائقًا أساسيًا أمام تطويرها والتفاوض على تنفيذها.

وشهدت الفترة 2002–2004 محاولات لإحياء المشروع، تداخلت مع توتّر حاد في العلاقات اليمنية–السعودية. ففي يوليو 2002، أعلن مجلس الوزراء اليمني، من جانب واحد، توقيع مذكرة تفاهم مع شركة لمدّ أنابيب النفط بين اليمن والسعودية. وفي تقديري، وبحكم مشاركتي الرسمية في متابعة تلك التطورات، كان لهذا الإعلان صلة بالتوتّر اللاحق وتوجّه الجانب السعودي إلى تعزيز الحاجز الحدودي، وصولًا إلى أزمة فبراير 2004 التي كادت تنزلق إلى مواجهة عسكرية، قبل أن تشهد انفراجًا سريعًا أسهم الرئيس رفيق الحريري في تهيئة ظروفه.

وخلال زيارته التاريخية إلى اليمن في نهاية يوليو 2004، وهي الأولى لرئيس وزراء لبناني إلى اليمن، حضرتُ لقاءه مع الرئيس علي عبدالله صالح، حيث طرح الحريري إحياء مشروع الأنابيب، مؤكّدًا وجود موافقة سعودية على طرحه، بوصفه مدخلًا لبناء مصالح مشتركة وتعزيز التعاون بين دول الجزيرة والخليج. غير أن الجانب اليمني فضّل، للأسف، إرجاء مناقشة الموضوع إلى وقت لاحق.

وسأعود في مقال مستقل إلى تفاصيل هذه المحطات، ضمن تناول موسّع للجذور التاريخية لمشروعات الربط الإقليمي وتطوّرها، وصولًا إلى بنية مشروع «أسترا» ومفهومه الاستراتيجي.

*واليوم، يمنح ترابط المخاطر عند هرمز وباب المندب هذه الفكرة إلحاحًا جديدًا.* ويطوّرها «أسترا» إلى رؤية أوسع للنقل والطاقة والتنمية: من تنويع المنافذ إلى بناء مرونة المنظومة الإقليمية بأكملها، عبر ربط المصالح وتقاسم المنافع واحترام السيادة اليمنية.

وفي هذا الإطار، *يستحق الربط بين البنية النفطية القائمة في نطاق الشيبة وميناء نشطون في المهرة دراسة جادة بوصفه مدخلًا أوليًا،* على أن تحدّد الدراسات الفنية مساره وطوله وجدواه، وتضبط الاتفاقات ترتيباته الأمنية والسيادية والتمويلية، مع تقييم متطلبات نقل الغاز والبنية اللازمة له.

وقد أُثير في الحلقة سؤال جوهري: *كيف نتحدّث عن التنمية في ظل الحرب وغياب الاستقرار؟*

*الاستقرار شرط لتنفيذ مشروعات بهذا الحجم واستدامتها، لكن إعدادها وبناء التوافق حولها ينبغي أن يبدآ مبكرًا. فوضوح العوائد والمصالح المشتركة يمكن أن يولّد حافزًا لدعم التسوية وبناء المؤسسات والاستثمار في الأمن.* ومن ثمّ، فإن تأمين المشروع وبناء مقوّماته مساران متكاملان، يتطلّبان دراسات واتفاقات وضمانات، ودولة يمنية قادرة على تأمين الممر وصون سيادتها وحقوق مواطنيها.

*غربًا نستعيد المبادرة ونؤمّن الملاحة، وشرقًا نبني البدائل ونوسّع المصالح المشتركة؛ مساران متكاملان لاستعادة الدولة وبناء السلام والتنمية، وترسيخ الاستقرار وتعزيز الاندماج والتكامل الاقتصادي بين دول الخليج والجزيرة العربية.*

———————————
‎📘 *ملخص موجز باللغة الإنجليزية (لغير الناطقين باللغة العربية):*
📘*Brief English overview (for non-Arabic readers):*

*Yemen: A Dual Path Towards Regional Stability and Shared Prosperity*

In my interview with Yemen’s *Al-Janoub Al-Youm television channel*, I outlined how Yemen can contribute to regional security and development through two complementary paths:

*Westwards,* restoring Yemeni state authority over the western coastline would curb Houthi threats to shipping, reduce Iranian leverage, and help break the link between insecurity at Bab el-Mandeb and Hormuz. This requires coordinated Yemeni, regional and international action.

*Eastwards,* the proposed ASTRA—Arabian Sea Transit and Resilience Architecture offers a framework for alternative energy routes through eastern Yemen to the Arabian Sea, creating opportunities for investment, development and economic integration across the Gulf and Arabian Peninsula.

Both paths rest on Yemeni sovereignty, capable institutions and shared interests. Stability enables development, while credible development partnerships can help build and sustain stability.
———————————

مع خالص المودة والتقدير،
السفير د. محمد قباطي

متعلقات