السبت-12 سبتمبر - 12:36 ص-مدينة عدن

عشر سنوات كانت فترة بناء وتطوير قدرات الحوثي

الجمعة - 11 سبتمبر 2026 - الساعة 11:57 م بتوقيت العاصمة عدن

عدن سيتي-متابعات



قراءة المشهد اليوم لا يمكن أن تنفصل عن ما جرى منذ عام 2015م.

في عام 2015م، عندما اجتاح الحوثيون الجنوب، كان قرارهم أقرب إلى المغامرة العسكرية منه إلى عملية محسوبة، فقوات صالح التي التحقت بهم كانت مشتتة، ولم تكن تمتلك مجتمعة منظومة الأسلحة النوعية التي يمتلكها الحوثي اليوم، من صواريخ باليستية وطائرات مسيرة وغيرها.

فشل ذلك الغزو، وتحررت المحافظات الجنوبية بدعم عسكري مباشر من السعودية والإمارات، وكانت تلك اللحظة هي نقطة التحول الحقيقية في مسار الحرب.

لكن بعد التحرير، بدأت التوجهات تتغير، وبدأت تتداخل المصالح السياسية والإقليمية، ولم تعد الشعارات المعلنة كافية لتغطية حجم تلك المتغيرات.

وبدلا من أن يتحول التحرير إلى مرحلة لبناء قوة عسكرية وسياسية جنوبية قادرة على حماية الأرض التي حررتها ، أو مكانة لعاصمة تقود الحرب لتحرير صنعاء، ولكن بدأت عملية أخرى: إضعاف المؤسسات، وإرباك الوضع الخدمي، وتفكيك القوة العسكرية، وإقصاء كل ما يرتبط بالانتماء الجنوبي، وإعادة تشكيل المشهد السياسي والعسكري وبمجلس قيادة رئاسية أقرب إلى سمسار بما يخدم ترتيبات إقليمية متغيرة.

وفي الوقت الذي كانت فيه القوى الجنوبية تستنزف وتضعف، كان الحوثي يحصل على سنوات إضافية لبناء قوته.
عشر سنوات لم تكن مجرد فترة انتظار، كانت فترة بناء وتطوير.
الصواريخ، المسيرات، الخبرات، شبكات التصنيع والتهريب، وتراكم الخبرة القتالية، كلها جعلت الحوثي اليوم مختلفا جذريا عن حوثي عام 2015م.

وهنا يجب أن نسأل:
من الذي استفاد من كل هذه السنوات؟ ومن الذي مُنع من بناء قوته؟
أما ما يحدث اليوم من سقوط جبهات ومواقع، وما تبقى من المحافظات الشمالية التي كانت على مرمى نظر الحوثي، فلا أراه حادثا منفصلا عن المسار السابق.
وتلك السنوات التي قضاها طارق صالح في بناء قوة عسكرية في المخا، يمكن قراءتها باعتبارها جزءا من تكتيكات إدارة الحرب وموازين القوى،وما حدث بالأمس يستحق أن يقرأ بعين سياسية وعسكرية، لا بمجرد البيانات التي تبحث عن شماعة جديدة للفشل.

نحن لا نتحدث من خيال أو من صناعة نظرية مؤامرة من فراغ، بل من محاولة لقراءة التاريخ القريب، وتسلسل الأحداث منذ تحرير الجنوب، وتغير التحالفات، وإعادة تشكيل القوى العسكرية، وسقوط الجبهات والمديريات على مراحل، والذرائع التي رافقت كل مرحلة من مراحل الفشل.
ومن يضع هذه الأحداث جنبا إلى جنب، ويسأل:
ماذا حدث للقوى التي حررت الجنوب؟ وماذا حدث للقوة التي تركت سنوات طويلة لتتضخم في الشمال؟
سيدرك أننا أمام مشهد يحتاج إلى إعادة قراءة كاملة.

قد يكون ما جرى ويجري أكبر خدعة حرب في تاريخ اليمن، حرب ترفع فيها راية إنهاء الانقلاب، بينما تتغير موازين القوة على الأرض بصورة تقود إلى نتائج مختلفة تماما عن الأهداف المعلنة.

والأخطر أن أطراف هذا المشهد ليست طرف واحد.
هناك دول تدخل تحت عنوان التحالف ثم تتغير أدوارها، وهناك قوى إقليمية تتداخل مصالحها، وهناك قوى يمنية كان لها تأثيرها في مسار الحرب، فضلا عن أدوار قطر وتركيا وسلطنة عمان وغيرها، وهي أدوار ينبغي أن تقرأ بعيدا عن الشعارات الإعلامية.

أما الإمارات، فمن وجهة نظري، فقد كانت الدولة الأكثر وضوحا في دعم بناء القوة الجنوبية على الأرض، ولذلك فإن إخراجها من المشهد السياسي والعسكري لم يكن مجرد تفصيل عابر، بل كان له أثر مباشر في ميزان القوى داخل الجنوب.

وفي المقابل، لا يمكن للجنوبيين أن يبنوا حساباتهم على افتراض أن الحوثي الذي سيواجهونه غدا هو الحوثي الذي واجهوه عام 2015م.

الحوثي اليوم قوة عسكرية مختلفة، والأخطر من قوته الذاتية أن هناك قوى يمنية وإقليمية تتقاطع مصالحها معه، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وأن بعض القوى التي يفترض أنها تواجهه قد تكون لديها حسابات أخرى تتعلق بالجنوب ومستقبله.
ومن يرى كلامي مجرد تحليل فليستمع إلى تصريحات مسؤلين رفيعي المستوى في الرئاسة اليمنية بهذا الخصوص وغيرها من التوجهات الواضحة، أنهم سيكونوا ذات يوما في خندق واحد مع الحوثي، إن لم يخضع الجنوب لسيطرتهم السياسية.

لهذا فإن المرحلة القادمة لا تحتمل التشرذم الجنوبي.
فالاصطفاف الجنوبي اليوم ليس ترف سياسي، ولا دفاعا عن شخص أو حزب أو مجلس، بل هو دفاع عن حق الجنوب في أن يكون طرفا حاضرا في رسم نهاية الحرب، لا ورقة تسلّم في الصفقة الأخيرة.

فمن يظن أن المعركة انتهت بسقوط جبهة هنا أو مديرية هناك، قد يكون لم يدرك بعد أن المعركة الحقيقية هي:
من سيمتلك مفاتيح الجنوب عند كتابة الصفحة الأخيرة من هذه الحرب؟

متعلقات