الثلاثاء-25 أغسطس - 11:28 ص-مدينة عدن

ارحلي عن أرضنا غير مأسوف عليك

الثلاثاء - 25 أغسطس 2026 - الساعة 09:48 ص بتوقيت العاصمة عدن

تقرير "عدن سيتي" علي سيقلي





لم يعد التذمر في الجنوب من التواجد السعودي مجرد همس في المجالس، ولا حديثًا عابرًا بين مواطنين أنهكتهم سنوات الحرب والفقر والانتظار. لقد أصبح وجعًا عامًا، وصوتًا يتردد في الشوارع والبيوت، لأن المواطن الجنوبي لم يعد يرى في هذا الحضور ما يبرر بقاءه، ولا ما يستحق أن يتحمل من أجله كل هذا العبث بحياته وحقوقه.
نسأل، وبحرقة المواطن الذي لم يعد لديه ما يخسره: ماذا قدمت المملكة للجنوب تحديدًا حتى يُطلب من شعبه أن يصبر ويتحمل وجودها؟
ماذا تغير في حياة المواطن؟
هل وصلت المياه إلى البيوت؟
هل استقرت الكهرباء؟
هل توفر الغاز؟
هل انتظمت المرتبات؟
هل شعر المواطن بالأمن والأمان؟
هل تحسنت معيشته؟
هل وجد أمامه دولة تحترم حقوقه وكرامته؟
لا شيء من ذلك.
بل إن المواطن الجنوبي يجد نفسه اليوم محاصرًا في أبسط مقومات الحياة، بينما تُدار البلاد وكأن المواطن مجرد رقم زائد في معادلة سياسية لا ناقة له فيها ولا جمل.
طوال الفترة الماضية، كان البعض يتحجج بالمجلس الانتقالي الجنوبي، ويضع كل فشل وعجز وانهيار في خانته، حتى أصبح الانتقالي شماعة جاهزة لكل شيء.
واليوم، وقد رحل الانتقالي من المشهد وترك الساحة لمن أراد أن يديرها، فمن بقيت شماعته؟
من المسؤول الآن عن الماء الذي لا يصل؟
ومن المسؤول عن الكهرباء التي لا تستقر؟
ومن المسؤول عن الغاز الذي أصبح الحصول عليه معركة؟
ومن المسؤول عن المرتبات التي لا تكفي المواطن حتى لأيام؟
ومن المسؤول عن هذا الانفلات الذي جعل المواطن يبحث عن الأمان في زمن يفترض أن تكون فيه الدولة هي مصدر الأمان؟
لا يمكن أن يظل الشعب يدفع ثمن أخطاء الآخرين إلى ما لا نهاية.
الجنوبي الذي تحمل الحرب، وتحمل الفقر، وتحمل انقطاع الخدمات، وتحمل غلاء المعيشة، وتحمل الإقصاء والتهميش، لم يعد قادرًا على تحمل المزيد. لقد ضاق صدره بكل هذه الوصاية، وبكل هذه المشاريع التي تُدار فوق رأسه بينما هو وحده من يدفع الثمن.
والحقيقة التي ينبغي أن تُقال بلا خوف أو مواربة: الشعب لا يقيس الدول بما تقوله، وإنما بما تفعله.
والمملكة، إن أرادت أن تعرف كيف ينظر إليها المواطن الجنوبي اليوم، فلتخرج من مكاتب المسؤولين والمجالس المغلقة، ولتستمع إلى المواطن البسيط الذي ينتظر الكهرباء، ويبحث عن الماء، ويقف في طوابير الغاز، وينتظر راتبه، ويخشى على أسرته من الغد.
ذلك المواطن لا تعنيه البيانات السياسية، ولا التصريحات الدبلوماسية، ولا الأحاديث عن الأمن والاستقرار.
هو يريد حياة كريمة فقط.
يريد أن يعيش في أرضه دون وصاية، وأن تكون قرارات بلاده نابعة من إرادة أهلها، لا من حسابات الآخرين.
أما الذين يرون في هذا الوجود مصلحة شخصية، ويقيسون الوطن بما يدخل جيوبهم، فهؤلاء لا يمثلون شعبًا بأكمله. الوطن أكبر من وظيفة، وأكرم من راتب، وأبقى من مصلحة عابرة.
نحن لا نكره أحدًا، ولا نريد عداوة مع أحد، ولا نطلب المستحيل.
لكننا نريد أن نقولها بوضوح، ومن قلب مواطن جنوبي أنهكته السنوات:
لقد تعبنا.
تعبنا من الوصاية.
تعبنا من الوعود.
تعبنا من تبرير الفشل.
تعبنا من أن يدفع المواطن ثمن صراعات لا علاقة له بها.
وتعبنا من أن يقال لنا كل يوم إن علينا الصبر، بينما لا نرى في واقعنا ما يستحق هذا الصبر.
ولذلك، فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى من يهمه الأمر بسيطة وواضحة:
هذه أرضنا، وهذا شعبنا، وهذه حياتنا.
ومن لم يستطع أن يقدم للجنوب أمنًا ولا كهرباء ولا ماءً ولا غازًا ولا راتبًا ولا كرامة، فلا يطلب من شعبه أن يعتبر وجوده نعمة.
ارحلي عن أرضنا غير مأسوف عليك.
فالشعوب قد تصبر طويلًا، لكنها حين تفقد قدرتها على الاحتمال، لا يعود للصمت معنى.
والجنوب اليوم لا يحتاج إلى وصاية جديدة، بل يحتاج إلى أن تُحترم إرادة أهله، وأن تُصان كرامة مواطنيه، وأن يُترك لهم حق تقرير مستقبلهم بعيدًا عن الوصاية والمساومات.
فالوطن ليس غنيمة، والشعب ليس تابعًا، والكرامة ليست ورقة تفاوض.

متعلقات