الثلاثاء-25 أغسطس - 11:28 ص-مدينة عدن

التاريخ والتربية في الأعمال المسرحية والروائية للشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي : قراءة في بناء الوعي التاريخ والقيمي

الثلاثاء - 25 أغسطس 2026 - الساعة 09:39 ص بتوقيت العاصمة عدن

تقرير "عدن سيتي" بقلم/ د. خالد بن محمد مبارك القاسمي



تحتل الأعمال الروائية والمسرحية لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، مكانة مميزة في الأدب العربي المعاصر؛ لأنها لا تنطلق من الأدب بوصفه متعة فنية فحسب، ولا من التاريخ بوصفه سردا لأحداث مضت، وإنما تقوم على تداخل واضح بين التاريخ والأدب والتربية وصناعة الوعي. فالقارئ أمام نصوص تستدعي الماضي، لكنها لا تستدعيه ليظل حبيس زمنه، بل لتعيد تقديمه بوصفه خبرة إنسانية يمكن أن يتعلم منها الحاضر.

وهذه السمة تجعل من روايات الشيخ سلطان القاسمي ومسرحياته نصوصًا ذات وظيفة مزدوجة: فهي من ناحية تحفظ الذاكرة التاريخية وتعيد قراءة أحداث وشخصيات وقضايا من التاريخ العربي والإسلامي والعالمي، ومن ناحية أخرى تحوّل تلك الأحداث إلى مادة تربوية تطرح أسئلة حول السلطة، والعدل، والخيانة، والانقسام، والشجاعة، والهوية، ومقاومة الاحتلال، ومسؤولية الإنسان تجاه مجتمعه.

أولًا: التاريخ عند الشيخ سلطان القاسمي ليس خلفية للأحداث :
من أهم الخصائص التي تميز تجربة الشيخ سلطان القاسمي أن التاريخ لا يظهر في أعماله مجرد ديكور زمني توضع فيه الشخصيات، وإنما يمثل البنية الأساسية التي تتولد منها الفكرة الأدبية.

وتشير الكتابات المنشورة في الموقع الرسمي لسموه إلى أن المادة التاريخية تمثل خيطًا ناظمًا في جانب كبير من إنتاجه المسرحي والسردي، وأن أعماله تقوم على البحث والتقصي والاستناد إلى الوثائق والمراجع، بل وإعادة النظر أحيانًا في صور تاريخية استقرت في الوعي العام.

ومن هنا يمكن القول إننا أمام ما يشبه الأدب المؤرِّخ؛ أي الأدب الذي لا يحل محل الكتاب التاريخي، ولكنه يمنح الواقعة التاريخية حياة جديدة. فالمؤرخ يخبرنا غالبًا بما حدث، بينما يستطيع الروائي والمسرحي أن يجعلنا نعيش الحدث وندرك أثره في الإنسان.

وتظهر هذه الخاصية بوضوح في رواية �الأمير الثائر�، التي تتناول قصة الأمير مهنا بن ناصر بن حمد الزعابي وصراعه ضد القوى التي حاولت السيطرة على العرب في ساحل فارس. وقد أعتمد العمل على الوثائق والمراجع التاريخية، ثم أعاد تشكيل مادته في صورة سرد أدبي يجعل القارئ أقرب إلى الشخصيات والصراع والمرحلة التاريخية.

وهنا تتجلى القيمة التاريخية للرواية: فالحدث الذي قد يظل في كتاب التاريخ مجموعة أسماء وتواريخ وتحالفات، يتحول داخل الرواية إلى تجربة إنسانية قابلة للتذكر.

ثانيًا: من تعليم التاريخ إلى بناء الوعي التاريخي :
هناك فارق مهم بين معرفة التاريخ وامتلاك الوعي التاريخي.
معرفة التاريخ تعني أن يعرف الإنسان أن دولة سقطت، أو معركة وقعت، أو قوة استعمارية سيطرت على منطقة في زمن معين. أما الوعي التاريخي فيعني أن يسأل: لماذا وقع ذلك؟ وما الظروف التي مهدت له؟ وما الأخطاء التي ارتكبت؟ وهل يمكن أن تتكرر البنية نفسها في عصر آخر بصورة مختلفة؟

وهنا تظهر أهمية مسرح الشيخ سلطان القاسمي بصورة خاصة.
ففي مسرحية �عودة هولاكو� لا يكون سقوط بغداد سنة 1258م مجرد واقعة قديمة يعاد تمثيلها، وإنما يصبح وسيلة لفحص أسباب الانهيار الداخلي. وقد أوضح الشيخ سلطان القاسمي عند حديثه عن المسرحية أنه رأى تشابهًا بين الظروف التي سبقت سقوط الدولة العباسية وبعض أحوال الواقع العربي المعاصر، ولذلك كتب العمل من منظور تاريخي يستحضر الماضي لفهم واقع مؤلم.

وهنا تتحول المسرحية إلى درس تربوي بالغ الأهمية:
الأمم لا تتعلم من التاريخ عندما تحفظ أحداثه، وإنما عندما تتعلم اكتشاف القوانين الإنسانية الكامنة خلف تلك الأحداث.

فالصراع على السلطة، وإقصاء الأكفاء، وصعود الانتهازيين، والانقسام الداخلي، والخيانة، وضعف القرار؛ ليست أحداثًا تخص القرن الثالث عشر وحده، وإنما أنماط سلوك سياسي واجتماعي يمكن أن تتكرر كلما تكررت أسبابها.
ولهذا تصبح �عودة هولاكو� تربية سياسية وتاريخية بقدر ما هي مسرحية تاريخية.

ثالثًا: التربية بالقصة بدل الوعظ المباشر :
تتميز الرواية والمسرحية بقدرة تربوية قد لا يمتلكها الخطاب التعليمي المباشر؛ لأن الإنسان كثيرًا ما يقاوم النصيحة المباشرة، بينما يدخل إلى التجربة من خلال القصة دون أن يشعر أنه يتلقى درسًا.

فالكاتب لا يقول للقارئ مباشرة: كن شجاعًا، قاوم الظلم، احذر الانقسام، لا تخن وطنك.
بل يضع أمامه إنسانًا شجاعًا وآخر خائنًا، ومجتمعًا متماسكًا وآخر منقسمًا، ودولة قوية ثم يرينا كيف بدأ ضعفها، فيصبح القارئ شريكًا في استخراج القيمة.

وهذا ما نجده مثلًا في �الأمير الثائر�، حيث تتحول المقاومة إلى تجربة إنسانية، وفي رواية �الحقد الدفين� حيث يعاد فتح مرحلة المواجهة بين القواسم والقوى البرتغالية في الخليج العربي، فتظهر قيم المقاومة والشجاعة والذاكرة الجماعية في سياق سردي تاريخي.
وهذه الطريقة أعمق تربويًا من الوعظ؛ لأن القيمة لا تقدم باعتبارها شعارًا، وإنما باعتبارها نتيجة لتجربة.

رابعًا: إعادة بناء الهوية والذاكرة :
تمثل الرواية التاريخية عند الشيخ سلطان القاسمي أيضًا أداة لحماية الذاكرة العربية والخليجية من النسيان.

فالتاريخ ليس مجرد معرفة بالماضي؛ إنه أحد المكونات الأساسية لهوية المجتمع. والأمة التي تفقد ذاكرتها تصبح أكثر قابلية لأن تتلقى تاريخها من الآخرين.

ومن هنا تأتي أهمية أعمال مثل �الحقد الدفين� و**�الأمير الثائر�** و**�الشيخ الأبيض�** وغيرها؛ إذ تستعيد شخصيات وأماكن وصراعات قد لا تكون حاضرة بقوة في الوعي الشعبي المعاصر.

وتكتسب �الشيخ الأبيض� أهمية خاصة من ناحية منهج التعامل مع المادة التاريخية؛ إذ تشير المصادر المنشورة عن العمل إلى أن الشيخ سلطان القاسمي لم يكتف بالمراجع، وإنما قام بزيارات وبحث في المتاحف ومراكز الوثائق وتتبع الشخصيات المرتبطة بالقصة، قبل إعادة تقديمها سرديًا.

وهذا يقدم بحد ذاته قيمة تربوية أخرى، هي أخلاق البحث عن الحقيقة.
فالتاريخ هنا لا يؤخذ من أول رواية تصل إلى الباحث، وإنما يحتاج إلى وثيقة ومقارنة وتتبع وتحقيق.
وبذلك لا تعلّم هذه الأعمال القارئ ماذا يعرف فقط، وإنما يمكن أن تعلمه أيضًا كيف يعرف.

خامسًا: التربية على نقد الرواية التاريخية :
لعل من أعمق الجوانب التربوية في مشروع الشيخ سلطان القاسمي التاريخي أنه يدفع القارئ بصورة غير مباشرة إلى عدم التعامل مع التاريخ باعتباره حقيقة مكتملة لا تقبل المراجعة.

فالوثيقة مهمة، ومقارنة الروايات مهمة، والسؤال عن الجهة التي كتبت التاريخ مهم كذلك.

وتؤكد الكتابات الحديثة حول منهجه التاريخي اعتماده على تتبع المخطوطات والوثائق في الأرشيفات، ومقارنة الروايات قبل الوصول إلى النتائج، مع مراجعة بعض الصور المستقرة عندما لا يسندها الدليل.

وهذه قيمة تربوية شديدة الأهمية في العصر الحديث؛ لأنها تنقل المتلقي من ثقافة التلقي إلى ثقافة التحقق.

وهنا تلتقي التربية التاريخية بالتربية العقلية: فلا يكفي أن تسأل الطالب ماذا حدث؟ بل ينبغي أن يتعلم أن يسأل أيضًا: من أخبرني أن هذا حدث بهذه الصورة؟ وما مصدره؟ وهل توجد رواية أخرى؟ وما الوثيقة الأقرب إلى الواقعة؟

سادسًا: المسرح بوصفه مختبرًا أخلاقيًا :
إذا كانت الرواية تسمح للقارئ بالدخول إلى التاريخ عبر السرد، فإن المسرح يمنحه إمكانية أخرى: مشاهدة التاريخ وهو يتحول إلى صراع بشري أمامه.

وهذا واضح في أعمال مثل �النمرود� و**�الإسكندر الأكبر�** و**�شمشون الجبار�** و**�القضية�** و**�الواقع صورة طبق الأصل�** و**�الحجر الأسود�** و**�طورغوت�** وغيرها من أعماله المسرحية. وتقوم تجربة الشيخ سلطان القاسمي المسرحية بدرجة كبيرة على الشخصيات والأحداث والقضايا التاريخية، لكن كل عمل يحمل في الوقت نفسه قضية إنسانية وفكرية ومعرفية.

ففي �النمرود� مثلًا تفتح شخصية الحاكم المتجبر المجال لمناقشة السلطة والطغيان ومصير القوة حين تنفصل عن الأخلاق.

وهنا لا يعود النمرود شخصية تنتمي إلى زمن بعيد فقط، بل يتحول إلى نموذج إنساني للطغيان.
وهذه إحدى وظائف الأدب الكبرى: تحويل الشخصية التاريخية من اسم إلى رمز، والحدث من واقعة إلى سؤال.

وبذلك يتعلم المتلقي أن الطغيان ليس اسم شخص بعينه، والخيانة ليست مرتبطة بعصر معين، والانقسام ليس حادثة أنتهت؛ بل هي احتمالات كامنة في المجتمعات البشرية.

سابعًا: تحويل التاريخ إلى مرآة للحاضر :
من أكثر السمات وضوحًا في مسرح الشيخ سلطان القاسمي استخدام الماضي لإضاءة الحاضر.

وقد وُصف هذا المنهج بأنه قراءة للراهن في مرآة التاريخ؛ فالحوادث التاريخية تستدعى لكي تستخرج منها الدروس، وتكشف الإخفاقات ومكامن الخلل، ثم يعاد النظر من خلالها في مشكلات الواقع المعاصر.

وهنا نستطيع فهم العلاقة العميقة بين �عودة هولاكو� والواقع العربي، أو بين �داعش والغبراء� وظاهرة الصراع والتطرف، أو بين الأعمال التي تستحضر الطغاة والقادة والصراعات القديمة والأسئلة السياسية المعاصرة.

إنه لا يقول بالضرورة إن الحاضر نسخة حرفية من الماضي، وإنما يكشف أن الإنسان قد يغير أسماء المدن والدول والقادة، بينما تبقى بعض آليات الصراع البشري قابلة للتكرار.

وهذه إحدى أهم وظائف التربية التاريخية: أن تجعل الإنسان قادرًا على اكتشاف التشابه دون أن يقع في وهم التطابق.

ثامنًا: التربية الوطنية ومقاومة محو الذاكرة :
تتجاوز أهمية هذه الأعمال تقديم البطولة بمعناها البسيط إلى بناء وعي بالانتماء والمكان.

فحين يقرأ الجيل الجديد عن تاريخ الخليج والقواسم والصراعات البحرية والتدخلات البرتغالية والفارسية والهولندية والبريطانية، فإنه يبدأ في إدراك أن المكان الذي يعيش فيه ليس مساحة جغرافية ظهرت فجأة، وإنما هو حصيلة قرون من الحركة والصراع والتجارة والمقاومة والتفاعل الحضاري.

ومن هنا تكتسب الرواية التاريخية وظيفة وطنية؛ لأنها تربط الإنسان بالأرض من خلال ذاكرتها لا من خلال حدودها الجغرافية وحدها.

فالهوية التي لا تعرف قصتها يمكن أن تتحول إلى شعار، أما الهوية التي تعرف تاريخها فتتحول إلى وعي.

تاسعًا: من القيم الفردية إلى القيم الحضارية :
يمكن استخراج منظومة واسعة من القيم التربوية من أعمال الشيخ سلطان القاسمي: الشجاعة، والعدل، والوفاء، وتحمل المسؤولية، ومقاومة الظلم، والحذر من الخيانة والانقسام، والاعتزاز بالهوية، والبحث عن الحقيقة.

لكن الأهم أن هذه القيم لا تظهر منفصلة عن مصائر الجماعات والدول.

فالخيانة مثلًا ليست مجرد رذيلة أخلاقية لشخص؛ فقد تصبح سببًا في سقوط مجتمع. والانقسام ليس مجرد خلاف بين أفراد؛ فقد يتحول إلى ثغرة يدخل منها العدو. والشجاعة ليست بطولة فردية فحسب؛ فقد تصبح عنصرًا في حماية جماعة كاملة.
وهنا ينتقل الخطاب التربوي من أخلاق الفرد إلى أخلاق الحضارة.

خاتمة: الأدب الذي يجعل التاريخ قابلًا للحياة :
تكمن القيمة الكبرى لمسرحيات وروايات الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي في أنها تقيم جسرًا بين ثلاثة أزمنة: ماضٍ يُستعاد، وحاضر يُفهم، ومستقبل يُحذَّر له أو يُبنى.

فالتاريخ في هذه الأعمال ليس مقبرة للأحداث، والرواية ليست مجرد حكاية، والمسرح ليس مجرد عرض؛ وإنما تصبح الأجناس الأدبية وسائل لإنتاج الوعي.

ولهذا يمكن النظر إلى مشروع الشيخ سلطان القاسمي الأدبي باعتباره مشروعًا في التربية بالتاريخ؛ فهو يعيد الواقعة التاريخية إلى الحياة، ثم يضع الإنسان المعاصر أمامها ويسأله بصورة غير مباشرة: ماذا تعلمت؟

في �عودة هولاكو� نتعلم أن الخطر الخارجي قد يسبقه انهيار داخلي. وفي �النمرود� يتحول التاريخ إلى سؤال عن السلطة والطغيان. وفي �الأمير الثائر� و�الحقد الدفين� تصبح المقاومة والهوية والذاكرة عناصر في بناء الوعي. وفي �الشيخ الأبيض� تظهر قيمة البحث والتوثيق والتقصي قبل بناء الرواية.

وهكذا لا يكون الهدف النهائي أن يخرج القارئ حافظًا لأسماء الشخصيات والأحداث، بل أن يخرج أكثر قدرة على قراءة التاريخ وقراءة الحاضر من خلاله.

ولعل هذا هو البعد التربوي الأعمق في تجربة الشيخ سلطان القاسمي: أن التاريخ لا يقدم للجيل الجديد باعتباره جوابًا جاهزًا، وإنما باعتباره سؤالًا مستمرًا.
فالأمم التي تحفظ تاريخها قد تعرف ماضيها، أما الأمم التي تفهم تاريخها، فهي الأقدر على ألا تعيد أخطاءه.


✏️ *د/ خالد بن محمد مبارك القاسمي*

متعلقات