الأول من سبتمبر.. ذكرى تعيد فتح ملف الجيش الجنوبي

الإثنين - 24 أغسطس 2026 - الساعة 06:39 م بتوقيت العاصمة عدن

عدن سيتي _متابعات





يستعيد الجنوبيون في الأول من سبتمبر ذكرى تأسيس جيش جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية عام 1971م، وهي مناسبة لا تستحضر التاريخ العسكري للجنوب فحسب، بل تفتح مجدداً النقاش حول واقع المؤسسة العسكرية الجنوبية ومستقبلها، وما تعرضت له من تهميش وتفكيك عقب عام 1990م، وصولاً إلى حرب 1994م التي تركت آثاراً عميقة على بنيتها وقياداتها وأفرادها.

وتكتسب هذه الذكرى أهمية استثنائية اليوم، لأن الحديث عن الجيش الجنوبي لم يعد مرتبطاً بالماضي وحده، وإنما يتصل بصورة مباشرة بالتحديات التي تواجه الجنوب، وبمسألة حماية أمنه ومكتسباته السياسية والعسكرية، وبالقدرة على بناء مؤسسات وطنية قادرة على مواكبة المرحلة المقبلة.



_ 2015م نقطة تحول أعادت بناء القوة الجنوبية

أعاد عام 2015م تشكيل المشهد العسكري في الجنوب بصورة جوهرية، بعدما تمكنت المقاومة الجنوبية، بمشاركة عسكريين جنوبيين من مختلف الرتب والخبرات، من مواجهة الهجوم الحوثي والقوات المتحالفة معه، وتحرير عدد من المناطق بالجنوب.

ومثّل ذلك الانتصار نقطة انطلاق لإعادة تشكيل القوة العسكرية الجنوبية، مستفيداً من خبرات العسكريين الذين ظلوا خارج الخدمة بفعل سياسات الإقصاء والتسريح التي أعقبت حرب 1994م. ومع مرور الوقت، بدأت تتبلور تشكيلات عسكرية وأمنية جنوبية أكثر تنظيماً، قبل أن يكتسب مشروع بنائها زخماً سياسياً أكبر مع تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي العربي.



_ بناء القوات الجنوبية أولوية في معادلة الصراع

أدركت القيادة الجنوبية أن تحقيق أي مكاسب سياسية لا يمكن أن يستند إلى العمل السياسي وحده، وأن حماية الأرض والمجتمع تتطلب وجود قوة عسكرية وأمنية منظمة. ولذلك أصبح بناء القوات المسلحة الجنوبية والمؤسسات الأمنية ومكافحة الإرهاب أحد الملفات الأساسية في المرحلة الجديدة.

وتنظر القوى المؤيدة للمشروع الجنوبي إلى هذه القوات باعتبارها إحدى أهم الضمانات التي تحمي ما تحقق منذ عام 2015م، خصوصاً في ظل استمرار التهديدات العسكرية والأمنية وتعدد الأطراف المتنافسة على النفوذ في الجنوب.

ومن هذه الزاوية، فإن استهداف المؤسسة العسكرية أو إضعافها لا يُقرأ باعتباره شأناً عسكرياً منفصلاً، بل باعتباره جزءاً من صراع سياسي أوسع يتعلق بمستقبل الجنوب وشكل الدولة والترتيبات الأمنية والعسكرية التي ستنشأ في المرحلة المقبلة.



_ المرتبات والإمدادات أدوات ضغط على الجبهات

واجهت القوات الجنوبية خلال السنوات الماضية تحديات متعددة، كان من أبرزها تأخر المرتبات، ونقص الإمكانات، وتراجع الإمدادات والاحتياجات اللوجستية في بعض الجبهات.

ويعتقد شعب الجنوب أن استمرار هذه الأوضاع يضعف قدرة القوات الجنوبية على أداء مهامها، ويؤثر بصورة مباشرة في معنويات الأفراد واستقرار المؤسسة العسكرية. ويرون أن تعطيل الموارد أو إضعاف الجبهات يمكن أن يتحول إلى وسيلة ضغط سياسية، خصوصاً عندما يتزامن مع محاولات لإعادة توزيع النفوذ العسكري والأمني.

وتزداد أهمية هذه المخاوف مع التوترات التي شهدتها بعض محافظات الجنوب، والتي دفعت قطاعات واسعة إلى المطالبة بحماية القوات الجنوبية من أي محاولات تستهدف تفكيكها أو إضعافها.



_ ما بعد أحداث يناير.. انكشاف الصراع على النفوذ

كشفت التطورات التي شهدها الجنوب خلال يناير 2026م وما تلاها عن عمق الخلافات المتعلقة بالترتيبات العسكرية والأمنية. وأصبحت مسألة مستقبل القوات الجنوبية حاضرة بقوة في النقاش السياسي، خصوصاً مع تصاعد المخاوف من إعادة تشكيل موازين القوى بطريقة قد تضعف المؤسسات العسكرية التي تشكلت خلال السنوات الماضية.

وفي ظل هذه التطورات، تبرز الحاجة إلى موقف جنوبي أكثر تماسكاً تجاه المؤسسة العسكرية، يقوم على دعم بناء جيش مهني ومنظم، بعيداً عن الانقسامات المناطقية والحسابات السياسية الضيقة.



_ الالتفاف الوطني حماية المؤسسة لا تكريس الانقسام

يفرض الواقع على القوى السياسية والاجتماعية الجنوبية التعامل مع القوات المسلحة باعتبارها قضية وطنية عامة، وليس ملفاً يخص طرفاً سياسياً دون غيره. فالالتفاف الشعبي حول المؤسسة العسكرية ينبغي أن يرتبط بالدفاع عن حق المجتمع في امتلاك مؤسسة أمنية وعسكرية مهنية قادرة على حماية الأرض والسكان والمصالح العامة.

وفي الوقت نفسه، تحتاج هذه المؤسسة إلى التطوير المستمر، من خلال التدريب والتأهيل والانضباط العسكري، وتوحيد الهياكل واللوائح، وتعزيز مبدأ المسؤولية والمساءلة، بما يحول دون استخدامها في الصراعات الداخلية.

فالقوة العسكرية لا تصبح ضمانة للاستقرار إلا عندما تتحول إلى مؤسسة وطنية راسخة، وليس مجرد تشكيلات مرتبطة بالأفراد أو الظروف السياسية المؤقتة.



_ العلاقات العربية

يحافظ الجنوب، وفق ما يطرحه مشروعه السياسي، على أهمية علاقاته مع محيطه العربي وجيرانه، ولا سيما المملكة العربية السعودية. وتفرض المصالح المشتركة بين شعوب المنطقة بناء علاقات مستقرة تقوم على الحوار والاحترام المتبادل وعدم التدخل بما يضر بمصالح أي طرف.

وتحمل الذاكرة السياسية الجنوبية صفحات من التوتر مع المملكة، شملت حرب الوديعة عام 1969م، وما أعقبها من خلافات سياسية وأمنية، قبل أن تدخل العلاقات مرحلة جديدة مع اعتراف المملكة بدولة الجنوب وفتح قنوات اتصال بين الجانبين، ومن أبرز محطاتها زيارة الرئيس سالم ربيع علي إلى السعودية عام 1977م.

وتؤكد هذه التجربة أن العلاقات السياسية ليست ثابتة، وأن الخلافات مهما بلغت حدتها يمكن تجاوزها عندما تتوافر الإرادة السياسية، وأن مصالح الشعوب تبقى أوسع من حسابات الصراع المرحلية.



_ المال والإعلام لا يصنعان وحدهما نتائج سياسية

تثبت التجارب السياسية أن النفوذ المالي والإعلامي يمكن أن يؤثر في المشهد لفترة، لكنه لا يستطيع بمفرده صناعة واقع مستدام إذا تعارض مع مصالح الشعوب وتطلعاتها.

وأن إضعاف الحلفاء أو التخلي عنهم في لحظات الصراع قد يحقق مكاسب مؤقتة، لكنه قد يؤدي على المدى البعيد إلى فقدان الثقة وتعقيد المشهد السياسي. ولذلك تحتاج العلاقات بين القوى المحلية والإقليمية إلى مراجعة مستمرة تقوم على المصالح المتبادلة والوضوح والاحترام.



_ جيش قوي شرط لحماية المستقبل

يرتبط مستقبل الجنوب بدرجة كبيرة بقدرته على بناء مؤسسات وطنية مستقرة، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية والأمنية. ولا يمكن لأي مشروع سياسي أن يحقق الاستقرار إذا ظل المجال الأمني والعسكري عرضة للتفكيك أو الاستنزاف أو التوظيف في الصراعات السياسية.

ومن هنا، تتحول ذكرى الأول من سبتمبر إلى مناسبة للتذكير بأن بناء الجيش لا ينبغي أن يكون مشروعاً موسمياً، بل مساراً وطنياً مستمراً يقوم على التأهيل والانضباط والكفاءة وحماية المجتمع.

فالقوات المسلحة الجنوبية، بالنسبة إلى شعب للجنووب، ليست مجرد امتداد لمرحلة عسكرية سابقة، وإنما تمثل إحدى ركائز حماية الحاضر والاستعداد للمستقبل. ولذلك فإن دعمها، وإصلاحها، وتطويرها، ومنع تفكيكها، مسؤولية وطنية تتطلب تماسكاً سياسياً ومجتمعياً، بعيداً عن الحسابات الضيقة.

ويبقى الرهان الأكبر على قدرة الجنوبيين على تحويل التضحيات التي قدمت منذ عام 2015م إلى مؤسسات راسخة، وعلى جعل القوة العسكرية أداة لحماية الأمن والاستقرار والمصالح الوطنية، لا وقوداً لصراعات جديدة. فإرادة الشعوب لا تُختزل في المال أو الإعلام، ولا تُحسم بالتجاذبات المؤقتة، وإنما تُقاس بقدرتها على الحفاظ على قضيتها وبناء مؤسساتها وحشد طاقاتها نحو مستقبل أكثر استقراراً.






متعلقات