أقلام الحقيقة : إيران والولايات المتحدة: من حرب هرمز إلى خطر كسر العتبة النووية

الجمعة - 21 أغسطس 2026 - الساعة 12:23 ص بتوقيت العاصمة عدن

مضيق هرمز " عدن سيتي " فوزية العسولي : متابعات





أقلام الحقيقة :
إيران والولايات المتحدة: من حرب هرمز إلى خطر كسر العتبة النووية







دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة تتجاوز بكثير ملف البرنامج النووي. وهناك فارق جوهري بين الوضع الراهن والظروف التي قادت إلى الاتفاق النووي لعام 2015: إيران اليوم أقل عزلة داخل النظام الدولي.

خلال الدورة السابقة، شاركت روسيا والصين في منظومة العقوبات متعددة الأطراف. ثم أدى انسحاب دونالد ترامب من الاتفاق النووي سنة 2018 وإعادة فرض العقوبات الأمريكية إلى تغيير تدريجي في البيئة الاستراتيجية. ومنذ ديسمبر 2019، منحت المناورات البحرية المشتركة بين إيران وروسيا والصين بعداً عسكرياً واضحاً لهذا التحول. ثم جاء انضمام إيران إلى منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة بريكس، وتعميق العلاقات مع موسكو، واستمرار الصين في شراء النفط الإيراني رغم العقوبات.

لا يتعلق الأمر بتحالف عسكري مماثل لحلف الناتو، بل بشبكة من المصالح والطرق والاعتماد المتبادل أصبحت كثافتها تجعل العزل الكامل لإيران أكثر صعوبة.

حين يصطدم الحصار بالطرق الجديدة لأوراسيا

شدّدت الإدارة الأمريكية مجدداً الضغط الاقتصادي، مهددة بعواقب على الدول التي تواصل تقديم دعم اقتصادي أو مالي أو لوجستي لإيران. غير أن فعالية الحصار لا تتوقف على القرارات المالية وحدها؛ فالجغرافيا أصبحت عاملاً حاسماً.

شمالاً، يربط الممر الدولي للنقل شمال-جنوب إيران تدريجياً ببحر قزوين والقوقاز وروسيا. وشرقاً، تمتلك إيران صلات مع آسيا الوسطى وباكستان والصين ضمن فضاء طرق الحرير القديمة والجديدة. وغرباً، تبقى تركيا والعراق شريكين ومنفذين مهمين، فيما تحتفظ عُمان بوظيفة إقليمية خاصة.

أما الإمارات العربية المتحدة، وخصوصاً دبي، فقد شكّلت طوال عقود مركزاً أساسياً للتجارة والدوائر المالية الإيرانية. لذلك فإن إعلان أغسطس 2026 تعليق المعاملات الاقتصادية والمالية مع إيران يمثل تشدداً سياسياً مهماً، لكنه لا يساوي تلقائياً فك ارتباط اقتصادي فعلي. فالمصالح الإيرانية المتراكمة في الإمارات كبيرة للغاية: تقديرات تاريخية تحدثت عن أصول واستثمارات بمئات مليارات الدولارات، فيما أشارت تقديرات أحدث إلى نحو 50 مليار دولار من الأصول المرتبطة بإيران التي قد تتأثر بالتجميد. وهذه الأرقام ليست قابلة للمقارنة المباشرة، لكنها تكشف عمق التشابك التجاري والعقاري والمالي، كما أن تفكيكه ستكون له كلفة على دبي نفسها.

وتؤكد بيانات حديثة تنوع الشركاء: الصين ما زالت المشتري الرئيسي للنفط الإيراني، والإمارات كانت مصدراً لنحو 30% من واردات إيران في 2024، والتبادل مع العراق تجاوز 10 مليارات دولار في 2025، فيما تحافظ تركيا على تجارة سنوية بمليارات الدولارات، وتسعى باكستان إلى رفع مبادلاتها مع إيران.

هذه الطرق لا تلغي كلفة العقوبات ولا هشاشة إيران البحرية، وبعض القدرات البرية لا تستطيع تعويض الأحجام المنقولة بحراً. لكنها تغيّر معطى أساسياً: إغلاق باب لم يعد يعني بالضرورة إغلاق النظام كله.

الخريطة 1


— �المنافذ المفتوحة� أمام إيران في مواجهة الحصار الأمريكي. تمثل الممرات بدائل جزئية، وتحد من فعالية العزل الكامل من دون أن تلغي كلفة العقوبات. أما الإمارات فقد أعلنت تعليق المعاملات، لكن عمق المصالح المتبادلة يفرض التمييز بين القرار السياسي وفك الارتباط الاقتصادي الفعلي.

مفتاح الخريطة: 1 إيران؛ 2 أذربيجان؛ 3 روسيا؛ 4 آسيا الوسطى؛ 5 الصين؛ 6 باكستان؛ 7 تركيا؛ 8 العراق؛ 9 عُمان؛ 10 الإمارات/دبي. الخط المتقطع نحو الإمارات يشير إلى تعليق المعاملات رسمياً مع بقاء ترابط تجاري ومالي عميق.

تعثر محاولة تفكيك قمة السلطة الإيرانية

تضاف إلى الصعوبة الاقتصادية صعوبة سياسية. فقد سعت واشنطن إلى فهم الانقسامات داخل منظومة القرار الإيراني، وإلى فتح قنوات موازية نحو مراكز قوة مختلفة، بما فيها الحرس الثوري وعبر كردستان العراق.

وفي هذه السلسلة تكتسب الوساطة الباكستانية أهمية خاصة. فإسلام آباد مطالبة بالحفاظ في الوقت نفسه على علاقاتها مع واشنطن وطهران والرياض، وقبل ذلك كله مع بكين. وتحولها من وسيط إلى أداة في عملية تستهدف تفكيك القيادة الإيرانية كان سيضرب مصداقيتها، ليس فقط لدى إيران بل أيضاً لدى الصين.

أما النتيجة الظاهرة حتى الآن فهي عكس التفكك: النظام الإيراني شدد تماسك مركزه الأمني والعسكري.

لذلك فإن فرضية محاولة استنساخ، بصيغة معدلة، لمنطق التفكيك الذي استُخدم في الحالة الفنزويلية تظل عنصراً مهماً في التحليل، على أن تُعرض بوصفها إعادة بناء استراتيجية تستند إلى القنوات والأفعال وتسلسلها، لا باعتبارها هدفاً أمريكياً معلناً رسمياً.

إسلام آباد ومعركة هندسة أمن الخليج

ينبغي قراءة تفاهم إسلام آباد في هذا السياق. فإيران ما زالت تعتبره مرجعاً لتسوية دائمة للمواجهة. وخلف وقف إطلاق النار يظهر هدف أوسع: إعادة تشكيل هندسة أمن الخليج.

منذ عقود، تقوم هذه الهندسة إلى حد كبير على الوجود العسكري الأمريكي والقواعد الموضوعة تحت تصرفه في المنطقة. وتسعى طهران إلى الدفع نحو نظام تتفاوض فيه القوى الإقليمية بصورة أكبر ومباشرة حول أمنها.

لذلك لم يعد السؤال فقط: من يسيطر على هرمز؟ بل أصبح أيضاً: من سيضمن أمن الخليج غداً؟

هرمز: من النفط إلى الأمن الغذائي

تُظهر أزمة مضيق هرمز أن قوة إيران لا تقوم على القدرات العسكرية وحدها، بل أيضاً على الجغرافيا. وقد اعتاد العالم النظر إلى هرمز من زاوية النفط الخام أساساً، إلا أن الأزمة الحالية كشفت هشاشة أخرى: المنتجات المكررة، ولا سيما الديزل والكيروسين.

بالنسبة إلى أوروبا، المسألة شديدة الحساسية. فالديزل يشغل جزءاً أساسياً من النقل البري والآلات الزراعية والخدمات اللوجستية، فيما يمس الكيروسين قطاع الطيران مباشرة. وعندما تتعطل طاقات التكرير في الخليج، تنتقل الصدمة إلى ما هو أبعد من سوق النفط.

وتصبح السلسلة كالتالي: هرمز ← التكرير ← الديزل والكيروسين ← النقل ← الزراعة ← الغذاء ← التضخم ← الرأي العام.

وهكذا تتحول حرب إقليمية إلى متغير اقتصادي وسياسي عالمي.

من الدفاع إلى الهجوم: طهران تلعب بورقة الزمن الأمريكي

يبدو أن تحولاً استراتيجياً مهماً وقع في طهران. فبعد مرحلة ركزت فيها إيران أساساً على الحفاظ على النظام وقدراته ومنع عزله، تبدو الآن راغبة في تحويل مدة المواجهة نفسها إلى أداة ضغط.

أصبح التقويم الأمريكي سلاحاً. فانتخابات التجديد النصفي في 3 نوفمبر 2026 تمثل موعداً استراتيجياً. وقد لا يكون الهدف الإيراني مجرد التوصل إلى اتفاق، بل جعل شروطه قوية بما يكفي لمنع العودة البسيطة إلى الحرب بعد الانتخابات.

ويشكل هرمز رافعة قوية في هذا الحساب. فاستمرار اضطراب تدفقات الطاقة يغذي أسعار الوقود وكلفة النقل والتضخم، وبذلك تدخل الحرب الحياة اليومية للناخب الأمريكي.

ويتقاطع ذلك مع الصعوبات السياسية لدونالد ترامب: تراجع التأييد، إرهاق جزء من الرأي العام من حرب طويلة، ومخاطر انتخابية تواجه الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب. أما خسارة المجلسين معاً فتبقى سيناريو وليست نتيجة محسومة، إذ يظل قلب ميزان مجلس الشيوخ أكثر صعوبة.

يمكن أن يكون الحساب الإيراني هو �تضييق الخناق� سياسياً على ترامب حتى انتخابات التجديد النصفي، ثم جعل استئناف الحرب أكثر كلفة سياسياً. وهو ما يشبه �سيناريو بايدن� بالمعنى المؤسساتي: رئاسة ما تزال قوية، لكن هامش حركتها يتقلص بفعل الكونغرس والرأي العام والدورة الانتخابية التالية.

غير أن هذه الاستراتيجية تحمل خطراً كبيراً: إذا كانت طهران تعتقد أن الزمن يعمل لمصلحتها، فقد تصل واشنطن إلى الاستنتاج المعاكس تماماً: ضرورة تحقيق نتيجة قبل أن يفلت الزمن من يدها.

التصعيد: التفكير في ما كان غير قابل للتفكير

هنا تظهر أخطر أسئلة الأزمة. فبعد حدود الضغط التقليدي، وتعثر محاولات تفكيك القيادة، وصعوبات الدبلوماسية، وقدرة الشبكات التجارية الإيرانية على الصمود جزئياً، وضغط التقويم الانتخابي، ما الخيارات التي ستبقى أمام واشنطن إذا اعتقد الرئيس أن عليه تحقيق نتيجة استراتيجية سريعة؟

في هذا السياق بدأت فرضية اللجوء إلى سلاح نووي تكتيكي تظهر في النقاش العام والاستراتيجي. ويجب التمييز بمنتهى الدقة بين مناقشة سيناريو، وبين التخطيط العسكري، وبين اتخاذ قرار رئاسي. ولا تسمح المعطيات العلنية المتاحة حتى الآن بالقول إن قراراً باستخدام السلاح النووي قد اتُخذ.

لكن الخطر يبدأ قبل القرار: عندما يتوقف استخدام السلاح النووي عن كونه أمراً غير قابل للتصور سياسياً، ويدخل مجال السيناريوهات التي يجري تداولها.

إن كسر العتبة النووية لن يبقى محصوراً في الساحة الإيرانية. فروسيا ستعيد بالضرورة تقييم الوضع النووي الأمريكي في أوروبا وعقيدتها الخاصة، وستعيد الصين فحص الافتراضات التي تقوم عليها قوة الردع لديها. وقد تستنتج دول أخرى أن امتلاك قدرة نووية أصبح الضمانة القصوى في مواجهة التدخل الخارجي.

وهكذا قد تنتج محاولة حل المسألة النووية الإيرانية النتيجة العكسية تماماً: تسريع الانتشار النووي عالمياً.

الحواجز التي قد تمنع الانزلاق

لا تزال هناك حواجز عدة بين السيناريو والقرار.

الحاجز الأول عسكري ومؤسساتي. فالرئيس هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، لكن قراراً بهذا الحجم يخضع لتقييمات عملياتية وقانونية واستراتيجية بالغة الخطورة. ويحتل الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، موقعاً مركزياً بوصفه المستشار العسكري الرئيسي للرئيس. ويجب عدم الخلط بينه وبين الجنرال المتقاعد جاك كين، وهو شخصية إعلامية مؤثرة لكنه خارج سلسلة القيادة.

الحاجز الثاني سياسي: الكونغرس، والمنتخبون الجمهوريون أنفسهم، والرأي العام.

والحاجز الثالث دبلوماسي: حلفاء الولايات المتحدة الذين سيتعين عليهم تقدير أثر كسر العتبة النووية على أمنهم هم أيضاً.

أما الحاجز الرابع فهو دولي: رد فعل روسيا والصين والقوى النووية الأخرى. فلا مصلحة لأي قوة كبرى في انهيار المحظور الذي قيّد استخدام السلاح النووي منذ 1945.

هذه الحواجز لا تقدم ضمانة مطلقة، لكن صلابتها قد تصبح أحد المتغيرات الحاسمة في الأسابيع المقبلة.

المعركة الحقيقية تجاوزت إيران

تكشف الحرب بين إيران والولايات المتحدة عن تحولات متزامنة: إيران أقل عزلة؛ العقوبات الأمريكية ما تزال قوية لكنها تصطدم بالطرق التجارية الأوراسية الجديدة؛ الصين وروسيا وباكستان وعدد من القوى الإقليمية تمتلك هوامش استقلال أكبر؛ هرمز يحول المواجهة العسكرية إلى صدمة طاقية واقتصادية عالمية؛ وطهران تحاول تحويل هذا الترابط إلى ضغط على التقويم السياسي الأمريكي.

وهنا نصل إلى أخطر مفارقات الحرب: كلما عمل الزمن سياسياً ضد دونالد ترامب، ازدادت إمكانية بحث واشنطن عن حل سريع؛ وكلما اعتقدت إيران أن الزمن يعمل لمصلحتها، قل حافزها للتنازل سريعاً.

استراتيجيتان قد تبدوان عقلانيتين كل على حدة يمكن أن تنتجا معاً دينامية غير عقلانية.

لذلك لم يعد السؤال فقط من سيربح حرب هرمز، بل أصبح أكثر خطورة: هل ستكون المؤسسات والعسكريون والحلفاء والقوى الكبرى الأخرى قوية بما يكفي لمنع البحث عن النصر من فتح صندوق باندورا النووي؟



المصدر : فبراير

متعلقات