الثلاثاء-18 أغسطس - 11:11 م-مدينة عدن

الحرب القذرة على معهد الدكتور أمين ناشر.. عندما يصبح التعليم الحكومي ضحية لمافيا الجامعات الخاصة

الثلاثاء - 18 أغسطس 2026 - الساعة 09:50 م بتوقيت العاصمة عدن

تقرير "عدن سيتي" فاروق محمد كردة





ليست مجرد خلاف إداري أو تنظيمي، ما يحدث اليوم ضد معهد الدكتور أمين ناشر العالي للعلوم الصحية في عدن هو حرب ممنهجة، حرب معلنة من قبل هوامير وزارة التعليم العالي وشبكة مصالحها المتشابكة مع الجامعات والمعاهد الخاصة، هدفها الوحيد: تجفيف المنبع الحكومي الرخيص، ودفع الطالب الفقير ومتوسط الدخل دفعاً إلى أحضان السوق السوداء للتعليم الخاص.

المعهد الذي نحاربه اليوم، هو نفسه الذي كان يعالجنا بالأمس. فهل نسينا؟
جريمة في حق التاريخ
معهد الدكتور أمين ناشر ليس مبنى مستأجراً في عمارة، ولا مشروعاً استثمارياً فتح قبل عامين. هذا الصرح تأسس بقرار رسمي في 7 فبراير 1970م ليلبي حاجة المؤسسات الصحية من الكوادر المؤهلة بعد نقص حاد كاد يشل مستشفيات البلد.

بل إن جذوره أعمق من ذلك، فهو امتداد لمدرسة التمريض التي تأسست في مستشفى الملكة اليزابيث الثانية (مستشفى الجمهورية حالياً بعدن) عام 1956م قبل الاستقلال.

يعني ببساطة، المعهد هذا وُجد قبل أن توجد وزارة التعليم العالي نفسها بسنوات طويلة. قبل أن تظهر 90% من الجامعات الخاصة التي تحاربه اليوم. احتفل قبل أشهر بذكرى تأسيسه الـ 57، وخرّج أكثر من 13 ألف كادر صحي في تخصصات التمريض، القبالة، المختبرات، مساعد طبيب، فني أشعة، فني تخدير، فني عمليات وغيرها. كان يسمى "المعهد الصحي المركزي" ثم "المعهد العالي للعلوم الصحية" وفي 27 مارس 1990 تم تغيير اسمه تكريماً للدكتور أمين ناشر العميد السابق الذي أفنى عمره في تطوير التعليم الصحي في اليمن.

الكل يشهد لإنجازاته. من عدن إلى حضرموت إلى أبين حيث فرعه في جعار الذي يواصل رسالته رغم كل التحديات منذ 1973م، وحتى المهرة وشبوة. أطباؤنا وممرضونا في كل مستشفى حكومي تقريباً هم من خريجيه.

فلماذا الحرب الآن؟ ولماذا بهذا التوقيت بالذات؟
تفاصيل الحرب: كيف تتم عملية الذبح؟
ما يحدث ليس صدفة. هو سيناريو مدروس بثلاث خطوات:

أولاً: سلاح الاعتراف والترخيص.
تبدأ وزارة التعليم العالي بإثارة الشكوك حول شهادات المعهد، وعدم معادلة دبلوماته، وعرقلة تجسير طلابه لإكمال البكالوريوس. يتم إرسال لجان تفتيش متعسفة لا ترسلها لمعاهد خاصة تدرس الطب في شقق سكنية بلا مختبرات. يتم التلويح بإغلاق برامج أو عدم تجديد تراخيصها، ليس لضعف مستواها، بل لكونها منافساً مجانياً.

ثانياً: سلاح التجويع المالي والإداري.
معهد أمين ناشر يتبع وزارة الصحة والسكان، وميزانيته محدودة. بينما وزارة التعليم العالي تتحكم بمفاصل القبول والاعتماد الأكاديمي. عندما ترفض الاعتراف به، أنت عملياً تقول للطالب: شهادتك هذه لن توظفك. فتضطره للذهاب إلى الخاص.

ثالثاً: المستفيد الأكبر: مافيا الخاص.
هنا بيت القصيد. المعاهد والجامعات الخاصة التي يديرها أو يملك أسهماً فيها مسؤولون في التعليم العالي، لا تريد منافساً يقدم نفس التخصصات - مختبرات، تمريض، صيدلة، قبالة - برسوم رمزية 20 أو 30 ألف ريال في السنة، بينما هي تفرض 400 ألف إلى 800 ألف ريال.

الطالب الفقير، ابن الموظف، ابن الشهيد، ابن الريف، كان يجد في أمين ناشر ملاذاً أخيراً ليصبح ممرضاً أو فني مختبر بكرامة. اليوم يتم إغلاق هذا الملاذ أمامه عمداً. الرسالة واضحة: إذا لم يكن معك فلوس، فلا مكان لك في القطاع الصحي. اذهب واعمل بائعاً متجولاً، أو اقترض وارتهن أرض أهلك لتدخل جامعتنا الخاصة.

إنها عملية حلب ممنهجة لذوي الدخل المحدود والمعدوم. الدولة التي يفترض أن تدعم الفقير، أصبحت هي من تسلمه للجلاد.
لماذا يكرهون أمين ناشر؟
لأنه يفسد عليهم السوق.
الجامعة الخاصة تريد طالباً يدفع. ومعهد حكومي قوي بمنهج قوي وأساتذة أكفاء وتطبيق عملي في مستشفى الجمهورية والصداقة والنقيب، هو أكبر تهديد لنموذجهم الربحي.

ولأنه لا يدفع.
المعهد الحكومي لا يدفع "رسوم اعتماد" باهظة، ولا يدفع "نسب" ولا يدخل في شراكات مشبوهة. هو معهد نظيف، ولذلك يجب أن يموت.

ولأنه يذكرهم بفشلهم.
وزارة التعليم العالي التي فشلت في إنشاء معهد حكومي واحد يوازي أمين ناشر خلال 30 سنة، من الأسهل عليها أن تهدم الناجح بدلاً من أن تنافسه.
من الخاسر؟
ليس عميد المعهد الدكتور جمال امذيب، ولا أساتذته. الخاسر هو الوطن.
1. المواطن الفقير: سيحرم من التعليم. سترتفع نسبة البطالة، وسينضم آلاف الشباب إلى طابور الضياع. 2. النظام الصحي: نحن نعاني أصلاً من نقص حاد في الممرضين والقابلات وفنيي المختبرات. عندما تغلق مصنع الكوادر الرخيص والكفء، من سيعمل في مستوصفات الأرياف؟ خريج الجامعة الخاصة الذي دفع 3 مليون لن يرضى براتب 60 ألف في مستوصف حكومي في الضالع. 3. سمعة التعليم: عندما تحول التعليم الصحي من رسالة إنسانية إلى سلعة لمن يدفع أكثر، فأنت لا تخرج ممرضاً رحيماً، بل تاجراً يريد استعادة رأس ماله من جيب المريض.
معهد أمين ناشر احتفل بعيده الـ 54 بافتتاح عيادة أسنان تعليمية ومكتبة علمية ومعرض علمي لطلابه بحضور وزير الصحة نفسه، وهذا دليل على أنه يتطور رغم الإمكانيات. فلماذا تريد وزارة أخرى قتله؟
كلمة أخيرة
إن المعركة ضد معهد الدكتور أمين ناشر هي معركة طبقية بامتياز. هي معركة بين تعليم يخدم الشعب، وتعليم يخدم الجيب.

نقولها بوضوح لوزارة التعليم العالي: إذا كنتم عاجزين عن دعم المعاهد الحكومية، فعلى الأقل لا تحاربوها. وإذا كانت الجامعات الخاصة تريد أن تربح، فلتربح بشرف عبر تطوير نفسها، لا عبر كسر أرجل المنافس الحكومي.

معهد أمين ناشر هو ملك للشعب، تأسس بعرق أبناء عدن قبل أن توجد مكاتبكم ومكيفاتكم. والشعب لن يسكت على ذبحه.

حماية هذا المعهد اليوم، هي حماية لحق الفقير في أن يتعلم، وحق المريض الفقير في أن يجد ممرضاً يعالجه غداً.

لا تقتلوا ما تبقى من الدولة لأجل عمولة جامعة خاصة.


مقال الاستاذ - فاروق محمد كردة
قسم العلاج الطبيعي

متعلقات