الأربعاء-12 أغسطس - 08:13 م-مدينة عدن

صلاح بن لغبر… حين يصمت صوتٌ من أصوات الجنوب

الأربعاء - 12 أغسطس 2026 - الساعة 06:59 م بتوقيت العاصمة عدن

تقرير "عدن سيتي" خاص



هناك رجال لا يمكن اختزالهم في وظيفة أو لقب، لأن حضورهم يصبح جزءًا من ذاكرة مرحلة كاملة.

وصلاح بن لغبر واحد من هؤلاء.

تسعة عشر عامًا لم يكن خلالها صلاح مجرد إعلامي يكتب من بعيد، بل كان حاضرًا في قلب الأحداث، قريبًا من الميدان، وفي مقدمة الأصوات التي حملت قضية الجنوب في زمن كانت فيه الكلمة موقفًا، والموقف ثمنًا، والإعلام إحدى جبهات الصراع الكبرى.
من الضالع إلى كرش، ومن الساحل إلى شبوة وأبين، كان قلمه حاضرًا، وصوته حاضرًا، وموقفه حاضرًا.

خاض معركة الإعلام كما يخوض المقاتل معركته في الميدان؛ معركة الرواية، ومعركة الوعي، ومعركة الدفاع عن الحقيقة كما يراها، في مواجهة ما يعتبره مشاريع وخطابات استهدفت الجنوب وقضيته، وفي مقدمتها الخطاب الإخواني والحوثي.
صلاح لم يكن ناقلًا للأحداث فقط، بل كان جزءًا من صناعة الوعي بها.
ولهذا فإن وضعه في خانة «الإعلامي» فقط ظلم لتجربة امتدت قرابة عقدين.

صلاح قيادي في الوعي، صاحب رؤية، وصاحب تجربة سياسية وثورية وإعلامية طويلة، عرف تفاصيل المراحل، وعاصر التحولات، وقرأ موازين القوى، وعاش كثيرًا من الأحداث من داخلها لا من خلف شاشاتها.
قد نتفق معك أو نختلف.
وقد نختلف معك في الأسلوب أو في بعض المواقف.
وهذا حق طبيعي في العمل العام.

لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن غياب صوت بحجم تجربة صلاح بن لغبر يترك فراغًا في المشهد الإعلامي الجنوبي.
واليوم، في مرحلة شديدة التعقيد، لم يعد الجنوب بحاجة إلى إعلام يصفق، ولا إلى أقلام تبحث عن رضا أصحاب النفوذ، ولا إلى أصوات تتغير بتغير الظروف.
الجنوب بحاجة إلى أصوات مستقلة، جريئة، تعرف تاريخ القضية، وتفهم طبيعة الصراع، وتملك القدرة على النقد والتصحيح وكشف الخلل والدفاع عن الحقائق.

وهنا تحديدًا تأتي أهمية صلاح.
التوقف عن الكتابة قد يكون قرارًا شخصيًا، لكنه ليس حدثًا عابرًا بالنسبة إلى ساحة عرفت قلمك تسعة عشر عامًا.

يا صلاح…

لقد كتبتَ عندما كان كثيرون يفضلون الصمت.
وتحدثتَ عندما كان الكلام مكلفًا.
ووقفتَ في معارك إعلامية وسياسية لم تكن سهلة.
ولذلك، فإن الساحة لا تطالبك بأن تكون مع هذا الطرف أو ذاك.
ولا تطالبك بأن تتخلى عن قناعاتك.
ولا تطالبك بأن تجامل أحدًا.
بل تطالبك فقط بألا تتخلى عن صوتك.
اكتب إذا رأيت خطأ.
وانتقد إذا وجدت خللًا.
عارض إذا اقتضى الأمر.

وصحح إذا وجدت أن الحقيقة تحتاج إلى تصحيح.
فالإعلام الذي لا يستطيع أن يقول الحقيقة عندما تكون مؤلمة، يتحول إلى جزء من المشكلة.
أما الإعلام الذي يملك شجاعة النقد، فهو الذي يصنع الوعي ويحمي القضايا من أخطائها قبل خصومها.

يا صلاح بن لغبر،
تسعة عشر عامًا ليست صفحة عابرة في كتاب.

إنها عمر من التجربة، وشهادة على مرحلة، وذاكرة مليئة بالأحداث والمواقف.
ولذلك فإن رسالتنا إليك اليوم ليست رسالة مجاملة:
لا تصمت.
فالجنوب الذي عرف صوتك يحتاج إلى صوتك.

والجيل الذي قرأ لك يحتاج إلى تجربتك.

والمرحلة القادمة تحتاج إلى كل قلم جنوبي قادر على أن يقول: هذا صحيح، وهذا خطأ، وهذا يخدم قضيتنا، وهذا يضر بها.
لا تجعل الاختلاف مع الأشخاص سببًا للابتعاد عن القضية.
ولا تجعل الخلافات السياسية تدفع أصحاب الأقلام إلى مغادرة الميدان.
الأشخاص يتغيرون، والمواقع تتبدل، والتحالفات تتبدل، لكن القضايا الكبرى تبقى.

والجنوب أكبر من كل الأشخاص، وأبقى من كل المراحل.

لذلك نقولها بصراحة ومحبة واحترام
صلاح بن لغبر… شعبك يناديك.
عد إلى قلمك.
عد إلى الميدان الذي تعرفه.
عد إلى معركة الوعي.
اكتب… ناقش… انتقد… صحح… وقل كلمتك.
فقد تكون اختلفت مع كثيرين، وقد يختلف معك كثيرون، لكن ذلك لا يلغي حقيقة أنك أصبحت خلال تسعة عشر عامًا أحد الأصوات التي لا يمكن تجاهلها في تاريخ الإعلام الجنوبي المعاصر.
لا تُطفئ صوتًا احتاجه الجنوب طويلًا.
فبعض الأقلام حين تصمت… لا يصمت أصحابها فقط، بل يصمت معها جزء من ذاكرة مرحلة كاملة.

جياب الجعبي

متعلقات