هل ستعيد اتفاقية مكة رسم موازين القوة في المنطقة؟

الجمعة - 07 أغسطس 2026 - الساعة 09:44 م بتوقيت العاصمة عدن

تقرير "عدن سيتي" د.عارف الحوشبي



تمثل اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان تطورا استراتيجيا مهما في منظومة الأمن الإقليمي لأنها تجمع ثلاث دول تمتلك عناصر قوة متكاملة سياسيا وعسكريا واقتصاديا وجغرافيا.

وتقوم الاتفاقية على مبدأ جوهري يتمثل في أن أي اعتداء على إحدى الدول الثلاث يعد اعتداء على الدول مجتمعة بما يعزز مفهوم الردع الجماعي إلى جانب التعاون العسكري والاستخباراتي والتدريب والصناعات الدفاعية.

وتكمن أهمية الاتفاقية في اختلاف مصادر القوة لدى أطرافها وتكاملها فالسعودية تمثل الثقل الاقتصادي والمالي والسياسي إضافة إلى موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر والخليج وقربها من باب المندب ومضيق هرمز فضلا عن مكانتها العربية والإسلامية كونها بلاد الحرمين الشرفين ومهبط الوحي وقدراتها العسكرية المتقدمة أما تركيا فتضيف ثقلا عسكريا وصناعيا كبيرا فهي عضو في حلف الناتو وتمتلك جيشا كبيرا وخبرة عملياتية إلى جانب صناعات دفاعية متطورة تشمل المسيرات والصواريخ والسفن الحربية والحرب الإلكترونية بينما تمثل باكستان البعد الاستراتيجي والعسكري الأبرز باعتبارها قوة نووية تمتلك جيشا كبيرا وقدرات صاروخية وجوية ضخمة إضافة إلى موقعها المهم بين الخليج وجنوب آسيا والمحيط الهندي وبذلك يمكن تلخيص المعادلة في أن السعودية تقدم الثقل الاقتصادي والسياسي وتركيا تقدم التكنولوجيا والصناعة العسكرية وباكستان تقدم العمق العسكري والاستراتيجي والنووي.


لماذا مكة؟
اختيار مكة المكرمة لتوقيع الاتفاقية يحمل رمزية كبيرة فهي ليست مجرد مدينة سعودية بل تمثل مركزا روحيا للعالم الإسلامي كما أن توقيع الاتفاقية يوم الجمعة يمنح المشهد بعدا رمزيا إضافيا وإن لم يصدر تفسير رسمي يؤكد أن اختيار المكان واليوم جاء لأسباب دينية أو سياسية محددة.

إن اجتماع ثلاث دول إسلامية محورية في مكة المكرمة لتوقيع اتفاق دفاع جماعي يبعث برسالة سياسية قوية بأن هذه الدول تتجه نحو بناء منظومة أمنية أكثر استقلالا وتكاملا.


ماذا تستفيد الدول الثلاث؟
السعودية تستفيد من تنويع شراكاتها الدفاعية وعدم الاعتماد على مظلة أمنية واحدة إضافة إلى الاستفادة من الخبرة والتكنولوجيا العسكرية التركية والقدرات الباكستانية وأما تركيا فهي تستفيد من توسيع نفوذها في الخليج وفتح أسواق جديدة لصناعاتها الدفاعية وجذب مزيد من الاستثمارات السعودية وبالنسبة للباكستان فتستفيد من تعزيز مكانتها في الشرق الأوسط وزيادة التعاون الاقتصادي والعسكري مع دولتين محوريتين بما يمنحها ثقلا إضافيا خارج نطاق جنوب آسيا وقد تتطور الاتفاقية مستقبلا إلى تعاون أوسع في الصناعات العسكرية والدفاع الجوي والصاروخي والمسيرات والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي العسكري وتبادل المعلومات الاستخباراتية.


ماذا تعني الاتفاقية بالنسبة لإيران؟
رغم أن الدول الثلاث لم تعلن أن الاتفاقية موجهة ضد إيران إلا إن طهران ستقرأها بالتأكيد باعتبارها تحولا مهما في ميزان القوى.
إيران بنت نفوذها الإقليمي على شبكة من الحلفاء والجماعات المسلحة في العراق واليمن ولبنان وسوريا بينما تقدم اتفاقية مكة نموذجا مختلفا يقوم على ردع جماعي بين دول تمتلك جيوشا نظامية قوية وقدرات اقتصادية وعسكرية كبيرة وتزداد أهمية الاتفاقية مع التقارير التي تحدثت عن مخاوف سعودية من احتمال تنفيذ هجوم متزامن ضد المملكة من الجنوب عبر الحوثيين ومن الشمال عبر فصائل عراقية مرتبطة بإيران ومن الشرق عبر الحرس الثوري الايراني ولكن لا توجد أدلة معلنة تثبت أن الاتفاقية جاءت نتيجة اكتشاف هذا المخطط خصوصا أن التحضير للتعاون الدفاعي بين الدول الثلاث بدأ قبل ذلك ولكن من الممكن أن تكون التطورات الأمنية الأخيرة قد عززت الحاجة إلى تسريع الاتفاق وإظهاره كرسالة ردع واضحة.
اليوم أصبح الاعتداء على السعودية يعني اعتداء على تركيا والباكستان أيضا ولذا فإن حسابات أي جهة تفكر في مهاجمة المملكة ستصبح أكثر تعقيدا وكلفة.

هل نحن أمام ناتو إسلامي؟
من المبكر وصف الاتفاقية بأنها ناتو إسلامي لأن حلف الناتو يمتلك قيادة عسكرية موحدة وهياكل ومؤسسات وآليات عملياتية متكاملة ولكن اتفاقية مكة قد تمثل نواة لمنظومة دفاع جماعي جديدة إذا تبعتها خطوات عملية مثل إنشاء قيادة مشتركة ونظام إنذار مبكر وتبادل استخباراتي دائم ومناورات مشتركة وتكامل في الدفاع الجوي والصاروخي كما أن الاتفاقية تحمل أهمية خاصة لأمن البحر الأحمر وباب المندب والخليج وبحر العرب نظرا للموقع البحري والاستراتيجي للدول الثلاث.

ان اتفاقية مكة تتجاوز كونها اتفاقا عسكريا بين ثلاث دول فهي تجمع بين المال والطاقة والنفوذ السعودي والصناعة والخبرة العسكرية التركية والقوة العسكرية والنووية الباكستانية وإذا تحولت من اتفاق سياسي/عسكري إلى منظومة عسكرية واستخباراتية واقتصادية متكاملة فإنها قد تؤسس لمعادلة جديدة في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي.

قد لا تكون الاتفاقية موجهة رسميا ضد دولة بعينها ولا يمكن الجزم بأنها جاءت بسبب مخطط حوثي/عراقي/إيراني لاستهداف السعودية ولكن توقيتها في ظل تصاعد التهديدات يجعل رسالتها واضحة وهي إن أي اعتداء واسع على إحدى الدول الثلاث لن تكون حساباته بعد اليوم كما كانت بالامس.

واخيرا فإن الأهمية الحقيقية لاتفاقية مكة لن تقاس بعدد الحروب التي تخوضها الدول الثلاث معا بل بقدرتها على رفع كلفة العدوان إن حصل والاهم من ذلك منع الحروب قبل أن تبدأ.

متعلقات