من البندقية إلى القلم شهادة جيل من زمن التحوّل

الخميس - 06 أغسطس 2026 - الساعة 05:24 م بتوقيت العاصمة عدن

عدن "عدن سيتي" خاص



ليس من السهل على أبناء الأجيال الجديدة أن يتخيلوا طبيعة الحياة التي كانت سائدة في كثير من مناطق يافع قبل الاستقلال الوطني في الثلاثين من نوفمبر 1967. فقد كان الزمن، عبر قرون طويلة، يسير ببطء شديد، حتى بدا وكأنه متوقف في كثير من جوانب الحياة. كانت المجتمعات الريفية تعيش في إطار قبلي مغلق، تتحكم فيه الأعراف والتقاليد أكثر مما تحكمه مؤسسات الدولة، وتتشكل فيه العلاقات الاجتماعية والسياسية وفق موازين القوة والسلاح، لا وفق سلطة القانون.
وفي تلك البيئة، كانت الفتن القبلية جزءًا من المشهد اليومي، تتجدد بين الحين والآخر لأسباب قد تبدو اليوم بسيطة، لكنها كانت آنذاك كافية لإشعال نزاعات طويلة حول حدود الأراضي، أو المراعي، أو موارد المياه، أو الثأر، أو غيرها من القضايا التي لم تكن تجد سلطة عليا تحسمها. ولم يكن غريبًا، في ظل هذا الواقع، أن يسيل من دماء أبناء المنطقة في حروبهم القبلية أكثر مما سال من الحبر في محابرهم، وأن يكون صوت البندقية أعلى حضورًا من صوت القلم.
كان جيل ما قبل الاستقلال يكاد يجهل المدرسة، ليس لأنه عزف عن التعليم، بل لأن المدرسة نفسها لم تكن موجودة في معظم قرى يافع الجبلية. فلم تكن هناك مبانٍ مدرسية، ولا معلمون، ولا مناهج، ولا حتى تصور واضح لدى كثير من الناس عن التعليم النظامي. وكان التعليم مقتصرًا على الكُتّاب، أو ما كان يُعرف محليًا بـ«المعلّامة»، حيث يتلقى الطفل مبادئ القراءة وتلاوة القرآن الكريم على يد فقيه القرية، ثم لا يلبث أن يغادرها ليبدأ حياته العملية أو القبلية.
وكان من الاستثناءات المهمة مدرسة مشيخة المفلحي في خلة التي أنشأها الشيخ قاسم عبدالرحمن المفلحي، إضافة إلى مدارس يافع الساحل التي أسهمت مبكرًا في نشر التعليم، لكنها ظلت محدودة الأثر قياسًا باتساع الرقعة الجغرافية وصعوبة الوصول إليها.
ولو لم تتدخل حركة التاريخ لتغيير هذا الواقع، لكنت أنا شخصيًا، ومعظم أبناء جيلي في يافع الجبلية، نسير في الطريق نفسه الذي سار عليه آباؤنا وأجدادنا؛ طريق إعداد الفتى ليكون «قبيليًا أَعْصَر»، يحمل الجنبية منذ صغره، ويفتخر بالبندقية عندما يشتد عوده، ويتعلم الرماية قبل أن يتعلم القراءة، ويعرف مواقع المتارس أكثر مما يعرف مقاعد الدراسة.
لقد كانت البندقية آنذاك أكثر من مجرد أداة قتال؛ كانت رمزًا للرجولة والهيبة، وعنوانًا للمكانة الاجتماعية، ووسيلة للدفاع عن الأرض والقبيلة، حتى إنها حلت، في الوعي الجمعي، محل القلم. وكان الآباء يرون أن إعداد أبنائهم لحمل السلاح وإتقان استخدامه واجب لا يقل أهمية عن توفير الطعام والكساء، لأن البيئة التي يعيشون فيها لا تعترف إلا بمن يمتلك القدرة على حماية نفسه وأهله.
ولم تكن بلدتي خلاقة، مسقط رأسي، استثناءً من هذا الواقع. فقد شهدت نزاعات متكررة وفي أوقات متفاوتة مع جيرانها في ريو، وبني بكر، والفُردة، وحَمْرة، وهي المناطق المجاورة لها، وسقط في تلك الفتن رجال كثيرون، وأُريقت دماء كان يمكن أن تُحقن لو وجدت دولة تحتكم إليها الأطراف المتنازعة.
ولم تكن هذه الظاهرة حكرًا على يافع وحدها، بل كانت تمتد إلى مناطق واسعة من الجنوب العربي، حيث كانت القبيلة، لا الدولة، هي المرجعية الأولى، وكانت الأعراف القبلية تقوم مقام القانون في إدارة شؤون الناس، بينما اكتفت السلطنات والمشيخات، في كثير من الأحيان، بحضور رمزي محدود لم يكن كافيًا لمنع النزاعات أو فرض الأمن.
وقد وصف المؤرخ صلاح البكري هذه الحالة وصفًا دقيقًا في كتابه «في شرق اليمن – يافع» الصادر في مطلع خمسينيات القرن الماضي، عندما تحدث عن الحرب الطويلة بين بني بكر وخلاقة، فقال:
"بين بني بكر وخلاقة حرب طال أمدها، ولكنها حرب شريفة نزيهة؛ فليس هناك غدر ولا خيانة من أحد الفريقين. فعندما يتقابل الفريقان ويقتتلان، يعلنان الهدنة بعد حين، فيأخذ كلٌ منهما قتلاه أو جرحاه من الميدان دون أن يعتدي أحد على الآخر. وقد يقوم صلح بين الفريقين، وفي أثناء الصلح يزور كلٌ منهما الآخر كأن لم يحدث شيء بينهم."
ويذكر البكري أيضًا أنه توسط لعقد هدنة بين الطرفين تبدأ في أول صفر 1374هـ الموافق 29 سبتمبر 1954م، وتنتهي في آخر محرم 1375هـ الموافق 18 سبتمبر 1955م، وهو ما يعكس طبيعة المجتمع القبلي آنذاك؛ مجتمعًا تحكمه منظومة أخلاقية صارمة في الحرب والسلم، لكنها تظل عاجزة عن إنهاء أسباب الصراع نفسها.
ولا يمكن إنكار ما كان للعهد القبلي من قيم أصيلة، مثل الشجاعة، والكرم، والوفاء، والنخوة، والالتزام بالأعراف، وهي قيم أسهمت في حفظ قدر من التوازن الاجتماعي. غير أن تلك المنظومة، على أهميتها، لم تكن بديلًا عن الدولة الحديثة، لأنها لم تستطع أن توفر أمنًا دائمًا، ولا تعليمًا شاملًا، ولا مؤسسات قادرة على حماية الحقوق وصيانة الأرواح.
وما زلت أحتفظ في ذاكرتي بصورة مؤلمة من تلك المرحلة. فقد كنت طفلًا عندما شهدت سقوط آخر ضحية في الفتنة بين خلاقة وريو، وكان القتيل والد صديقي الحميم عباد علي سالم، المقيم اليوم في الولايات المتحدة الأمريكية. ولا يزال ذلك المشهد حاضرًا في وجداني، كلما استرجعت تلك السنوات، لأنه يجسد ثمنًا إنسانيًا باهظًا دفعته مجتمعاتنا في زمن غابت فيه الدولة وحضر السلاح.
ثم جاءت لحظة التحول الكبرى مع الاستقلال الوطني في الثلاثين من نوفمبر 1967، وقيام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، التي استطاعت لأول مرة في التاريخ الحديث للجنوب العربي أن توحد السلطنات والمشيخات في إطار دولة واحدة، وأن تعيد صياغة أولويات المجتمع.
كان المشروع الجديد يقوم على فكرة جوهرية: بناء الدولة الحديثة، وإحلال القانون محل العرف في إدارة النزاعات، والتعليم محل الجهل، والمدرسة محل المتراس. ومن أهم ما تحقق في تلك المرحلة القضاء على ظاهرة الثأر والفتن القبلية، وترسيخ احتكار الدولة للسلاح، وفتح المدارس في القرى والأرياف، ونشر التعليم المجاني، حتى أصبحت المدرسة جزءًا من المشهد اليومي بعد أن كانت حلمًا بعيد المنال.
وهكذا تغيرت حياة جيل كامل. تحولنا من فتيان يُعدّون لحمل البندقية إلى طلاب يحملون الكتب والدفاتر، ومن أبناء قبائل إلى مواطنين في دولة، نتطلع إلى مستقبل تصنعه المعرفة لا البنادق. ولولا هذا التحول، لما أتيح لكثير منا أن يواصل تعليمه، أو يلتحق بالجامعات، أو يسهم في ميادين الثقافة والبحث العلمي.
إنني حين أستعيد هذه الذكريات لا أفعل ذلك بدافع الحنين إلى الماضي، ولا بقصد تمجيد مرحلة على حساب أخرى، وإنما أكتب شهادة جيل عاش التحول الكبير بين زمنين مختلفين: زمن كانت فيه البندقية لغة الحياة، وزمن أصبح فيه القلم هو الطريق إلى المستقبل.
ولذلك فإن الإنصاف التاريخي يقتضي الاعتراف بأن مشروع الدولة الوطنية، رغم ما شابه من أخطاء وما واجهه لاحقًا من تحديات، حقق منجزات لا يجوز إنكارها، وفي مقدمتها نشر التعليم، وإنهاء الفتن القبلية، وترسيخ هيبة القانون، وبناء الإنسان الجديد الذي آمن بأن المعرفة هي أساس النهضة.
إن الأمانة العلمية والتاريخية تفرض علينا أن نروي الماضي كما كان، لا كما نحب أن يكون، وأن نفهم أحداثه في سياقها الزمني والاجتماعي والسياسي، بعيدًا عن إسقاطات الحاضر. فمحاكمة الماضي بمعايير عصرنا ليست قراءة للتاريخ، بل تشويه له، لأن لكل مرحلة ظروفها وأدواتها وأسئلتها الخاصة.
ويبقى الدرس الأهم الذي تعلمناه من تلك التجربة أن المجتمعات لا تنهض بالبندقية وحدها، وإنما تبني مستقبلها بالقلم، وبالمدرسة، وبالقانون، وبالدولة التي تساوي بين أبنائها وتحمي حقوقهم. لقد كانت رحلة جيلنا، بحق، رحلة انتقال من البندقية إلى القلم، ومن المتراس إلى المدرسة، ومن القبيلة إلى الوطن.
وهكذا... كما تُدين تُدان.

د.علي صالح الخلاقي

متعلقات