في مواجهة تحديات المرحلة ومخاطرها..الانتقالي يدشن مرحلة نوعية من العمل الوطني التحرري لاستعادة الدولة الجنوبية
الجمعة - 31 يوليو 2026 - الساعة 09:17 ص بتوقيت العاصمة عدن
عدن " عدن سيتي " حيدرة الكازمي
خلال شهر يوليو الجاري اقدم المجلس الانتقالي الجنوبي العربي على إعادة تحريك واستخدام بعض الملفات الوطنية الجنوبية ، مصحوبة بجملة من إلأجراءات العملية التي تنفذ على الأرض، في مسيرة إعادة بناء وتنظيم مؤسساته القيادية والسياسية والعسكرية المختلفة .. وتزامنها مع الفعل الجماهيري المتواصل والمتنامي بشكل مضطرد في كافة المحافظات ضد الوصاية والمشاريع والكيانات التمزيقية المصنوعة والممولة سعوديا بمسمياتها وشعاراتها المختلفة ، وصولا إلى القرارات الأخيرة التي أصدرها الرئيس عيدروس بن قاسم الزبيدي ..
كل هذه الوقائع المتلاحقة لم تكن ظاهرة عفوية طارئة، بقدر ما كانت جزءا يسيرا من لوحة وطنية اكبر وعنوانا بارزا لمرحلة نوعية متطورة من النضال الوطني التحرري للشعب الجنوبي والمجلس الانتقالي في سبيل استعادة الدولة الوطنية الجنوبية .
خلال لقائه عبر التواصل عن بعد مع قيادة المجلس الانتقالي أعلن القائد عيدروس عن بداية مرحلة نوعية من النضال الوطني التحرري لاستعادة الدولة الجنوبية .. مرحلة جديدة يرتقي فيها مستوى الأداء الفردي والجمعي الوطني إلى مصافي التهديدات والتحديات والمخاطر المتنامية التي يتعرض لها شعبنا ومشروعه السياسي ، مطالبنا الجميع الاستشعار بجسامة المسؤولية التاريخية تجاه شعبهم ووطنهم .. ومجددا العهد والوفاء بأن المجلس الانتقالي وقيادته ستمضي قدما نحو تحقيق غايات الشعب العليا مسنودا بإرادة جماهيرية صلبة وتجربة نضالية عريقة وثقة لا تتزعزع بحتمية الانتصار لنضالات وتضحيات الجماهير ولدماء الشهداء والجرحى خلال أكثر من ثلاثة عقود.
حتى الآن لم يعلن الكثير من التفاصيل عن طببعة هذه المرحلة وسماتها ..لكن المراقب الحصيف للمشهد الجنوبي وتطوراته ، ومن خلال تحليل القرارات التي تم الإعلان عنها تتكتشف بعض أبرز ملامح هذه المرحلة وتوجهاتها العملية في تحقيق الأهداف التالية :-
1– مكافحة الفساد وإعادة البناء القيادي والمؤسسي والتنظيمي لهيئات المجلس على مختلف المستويات .
2– تعزيز الوحدة الوطنية للشعب وتطوير اشكال ووسائل جديدة للنضال السلمي الجماهيري .
3– البناء النوعي للقوات المسلحة وتطوير اقتدارها العسكري وحصانتها الوطنية ( الفكرية والسياسية ) .
4– تقويض خارطة التوازنات وشبكة المصالح النفعية غير المشروعة التي أفرزتها الحرب السعودية الخشنة والناعمة ضد الانتقالي .
5– إعادة صياغة المشهد الجنوبي وفق إرادة الجماهير ومنحة المشروعية السياسية والإستراتيجية وطنيا وإقليميا ودوليا .
تجاوز اثار الغدر والصدمة :-
خلال سبعة أشهر من الحرب العبثية وغير الأخلاقية المفتوحة التي تخوضها السعودية بمختلف الأسلحة الخشنة والناعمة دون هوادة ضد مشروع استعادة الدولة الجنوبية .. نجح الشعب الجنوبي والمجلس الانتقالي ليس فقط في لملمة جراحاته وخسائره الكبيرة ، ولكن ايضا في التصدي القوي والناجح لكل الهجمات السعودية على مختلف الجبهات ( السياسية والإعلامية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والعسكرية والأمنية ) وتمكن شعبنا بوعيه وثبات وصلابة قيادته وصموده في الساحات من تقويض كل الاهداف التي سعت السعودية إلى تحقيقها من خلال الحرب العسكرية أو من خلال استراتيجية الصدمة التي شرعت المملكة بتنفيذ فصولها على مختلف الصعد عقب حرب يناير مباشرة.
لقد غدرت المملكة بحليفها الأهم والابرز على الساحة ، ولم تكتفي بتدمير وإبادة النخبة في قواته المسلحة ، بل إن نجاحها السريع وغير المتوقع في حضرموت والمهرة قد فتح شهيتها في مواصلة حربها ضد الانتقالي بداء بأعلان حله وإغلاق مقراتها ومواصلة تدمير وتفكيك بنيته التنظيمية وقاعدته الجماهيرية وخلق شبكة وهمية من الحلفاء الجنوبيين المعادين للانتقالي، يراودها حلم اليقضة في تهيئة وخلقت ما تعتقده بيئة مناسبة لدفع الجنوبيين في فخ حوارها المزعوم والإعداد لترتيبات جديدة في الخارطة والأهداف السياسية الجنوبية ، وبشكل مبكر و جوقة غير معهودة تغنى الإعلام السعودي ليلا ونهارا باسطوانة تراجع نفوذ الانتقالي وموته السريع والمبكر .. وفي لحظه نشوتها السياسية والإعلامية بانتصارها الزائف ، اعتقدت المملكة أن الجنوب أصبح ضمن مقتنياتها الجغرافية والسياسية الخاصة ، القابلة لإعادة التوصيف والاستخدام ضمن مشروع سياسي طويل المدى ، وامتياز تمنحه لخصومها ثمنا لأمنها ومقابل تنازلات جيوسياسية أخرى تسعى لتحقيقها .. وقبل ذهاب وفدها إلى صنعاء للتفاوض مع الحوثيين حسمت السعودية خياراتها ، في أن تجعل من الجنوب والانتقالي ومشروع الشعب في استعادة الدولة ، بمثابة الورقة والقضية الرابحة في أي مقايضة ضمن حزمة تفاوضية تحقق أهدافًا سعودية اكبر.
فشل الاحتواء والتدجين :-
منذ وقت مبكر أدركت المملكة أن مشروعها في إعادة رسم خارطة مستقبل اليمن بشكل خاص والمنطقة بشكل عام وفق روايتها ومصالحها الاستراتيجية مرهون بقدرتها على إنتاج وتسويق صفقات كبرى تعيد رسم شبكة التحالفات وخارطة التوازنات العسكرية داخل الساحة اليمنية لصالحها وان تجعل من الجنوب الحافظة السياسية ، والرقم الأهم والأقوى الذي يمكن استخدام في حل الأزمة والحرب اليمنية و في أي معادلة أمنية إقليمية .
وفي هذا الوقت المبكر أدركت المملكة ان تحقيق مثل هذه التطلعات الجيوسياسية تقتضي بالضرورة تجاوز العقبات والمعوقات الشاخصة في طريقها وأبرزها على الاطلاق المجلس الانتقالي ومشروع الشعب الجنوبي في استعادة دولته ، وجاء اتفاق الرياض الاول كمحاولة مبكرة لاحتواء الانتقالي ضمن إطار الشرعية ،ليأتي موتمر الرياض الثاني لاستكمال مهمة تدجينه وتطويعه وإعادة توضيف ضمن دائرة الحسابات والمصالح السعودية .. أو هكذا توهمت .
صحيح أن السعودية نجحت من خلال مؤتمري الرياض من تقييد وكبح حركة الانتقالي ضمن مشروع استعادة السلطة والدولة في صنعاء وتأجيل البث في القضية الجنوبية ومطالب الشعب الجنوبي إلى ما بعد استعادة صنعاء، لكن المملكة وحلفائها داخل سلطة الشرعية الذين يفتقرون إلى الرؤية الواضحة ، والامكانيات الواقعية لاستعادة صنعاء، استوعبوا وبشكل متأخر ابعاد موقف الانتقالي وصلابته وما يمتلكه من مشروعية جماهيرية تجعله عصيا على الأحتواء والتدجين .. وإن الانتقالي حامل سياسي جماهيري لمشروع وطني ، يقوم على حقوق مشروعة ، و أسس وقواعد وطنية ودولية وإنسانية ثابتة لا تتغير مع التحولات والرغبات والقناعات داخل التحالف أو على الصعيد الإقليمي والدولي .. وان انحناءة أمام العواصف لا يعني التخلي عن القضية أو تجاوز المسار الجنوبي .. ورغم الضغوط التي كان يتعرض لها الانتقالي الا انه بقى متمسك بموافقه ومبادئه ، ولم يقبل أن يكون مجرد طرف هامشي يتلقى الأوامر والأملاءات وترتيبات يصوغها الآخرون ، ولم يجعل من القضية الجنوبية مادة للمساومة أو المقايضة والضغوط الأنية ،بل كان يضعها على الدوام كمحور ارتكاز ومفتاح رئيس لاي حلول سياسية ناجحة للأزمة والحرب اليمنية والاستقرار في المنطقة .
المقايضة السعودية بالجنوب :-
منذ التوقيع على خارطة الطريق مع الحوثة عملت المملكة بكل وسائلها ونفوذها وقوتها على تحويل جغرافية الجنوب وحقوق ومصالح وثروات شعبه ومصادر طاقته إلى ورقة تفاوض سياسية مع خصومها وثمنا سخيا لنجاح تنفيذ اتفاقها مع الحوثة وضمان أكيدة لنجاح خارطة الطريق التي تعتبرها المملكة جزء من مشروعها واستراتيجيتها الأمنية والتنموية 2030م وتدرك المملكة منذ وقت مبكر ،كما ندرك نحن الجنوبيين أن نجاحها في تنفيذ مثل هكذا مشاريع سياسية مرهون بقدرتها على تقديم الجنوب ثمنا لذلك .
حتى اللحظة لا تزال السعودية تتعامل مع الجنوب أرضا وشعبا باعتباره المكافئة الأكبر والاغلى ثمنا لارضاء الحوثة وإيران وتحقيق الاستقرار الذي تنشده.
بينما يرى الانتقالي أن الاستقرار الحقيقي لليمن وجيرانها لا يمكن أن يكون على حساب الشعب الجنوبي وفوق إرادة وقضية شعبة التي بقيت بلا حل لأكثر من ثلاثة عقود من النضال والتضحيات الجسيمة ، ومن ثم فإن تجاوز الملف الجنوبي لن يؤدي، من وجهة نظر الانتقالي إلى حل الأزمة وإنهاء الصراع، بل إلى ترحيله وتعقيده.. وهذا الموقف ينطلق من قراءة واقعية لستر التاريخ اليمني ، ولطبيعة المنطقة، حيث أثبتت التجارب أن الأزمات المؤجلة تعود دائمًا بأشكال أكثر دموية و تعقيدا.
الخلاصة :-
التفاعلات والمقاربات التي تشهدها الساحة الجنوبية تكشف تحولا مهما في التفكير الإستراتيجي للانتقالي ، والعمل بروية معاصرة نحو استكمال مشروع استعادة الدولة والدفاع عن الحقوق والسياقات السياسية والتاريخية، للشعب الجنوبي .. وخلق معادلة جديدة على الأرض تتجاوز المشاريع العدمية والتجارب الفاشلة التي يحاول أصحابها اعادة الجنوب إلى باب اليمن ، والحيلولة في الوقت ذاته دون استخدام الجنوب وثرواته وحقوقه كورقة للمساومات والصفقات السعودية مع خصومهم، أن الانتقالي على يقين راسخ من أن المصالح الإستراتيجية ، الأمنية والاقتصادية لدول الجوار لن ولم يتم تحقيقها تحت اي طائل على حساب الشعب الجنوبي ومستقبله .. وإن الحسابات والاعتبارات الأمنية والألتزامات التنموية لاي طرف إذا أرادوا لها النجاح ،يجب أن تأخذ بعين الاعتبار احترام حقوق ومصالح ،و إرادة وقرار الشعب الجنوبي في استعادة دولته .