مسجد أبي الليل .. لقاء الأرض بالسماء والقرآن بالروح

الثلاثاء - 16 يونيو 2026 - الساعة 06:10 م بتوقيت العاصمة عدن

عدن سيتي/محمد النجار

عند تجوّلك في شوارع مدينة عدن، سيشدّك صوتٌ روحاني ينطلق من مكبّرات الصوت تعود لإحدى مساجد المدينة، ستواصل المسير إلى أن تصل إلى مصدر ذلك الصوت القرآني الذي يروي أرواح الكثيرين، وكأن الاستماع له ولتلاوته يسمو بأرواحهم ووجدانهم. ستقترب أكثر لتسمع ذلك الصوت الشجي الذي يتردد صداه مرتفعًا ليعانق السماء في كل صلاة جهرية منذ خمسين سنة، وستصل في الأخير إلى بداية شارع الزعفران من جهة حي القطيع بكريتر، حيث يتربّع مسجد أبي الليل، أو مسجد الأميني كما يسمّيه أبناء المدينة، حينها ستقرر الدخول إليه لأداء صلاتك والمكوث فيه.

ما إن تؤدّي فريضتك في مسجد أبي الليل وتتمعن في الآيات القرآنية التي زُخرف بها، ستدور في ذهنك أسئلة كثيرة: ما سبب تسمية المسجد بهذه الكنية؟ ومن صاحبها؟ ومتى بُني؟ ومن هم أبرز الأئمة الذين تعاقبوا على الصلاة بقاصدي المسجد لأداء فرائضهم؟ ولماذا يُعتبر إمام المسجد الحالي أقدم الأئمة وأشهرهم في عدن؟ وغيرها من الأسئلة التي قد تجد إجابتها أحيانًا عند كبار السن، وأحيانًا أخرى في الكتب التاريخية القديمة التي وثّقت جزءًا من تاريخ مدينة عدن.

بداية البناء وسبب التسمية

تبدأ رحلتنا في تفاصيل هذا المسجد منذ بداية تشيده، والتي رجّحت كتب التاريخ أنها قبل مئتي عام من الآن، عندما قام أهل الخير بتمويل بناء هذا المسجد في مديرية كريتر، أقدم مدينة في عدن.
أما سبب التسمية "أبي الليل" فيُقال إنها جاءت نسبةً إلى أحد الصالحين الذي كان يقصد بيوت فقراء مدينة عدن خلال الليل ويتصدق عليهم بالطعام دون أن يعرف أحد اسمه. ولإخلاصه الشديد لم يعرف أحد شخصيته إلى اليوم، بينما بقي فعله للخير وكنيته حاضرة في أذهان كل من قصد مسجد أبي الليل، الذي سُمّي بهذا الاسم تكريمًا له.

الموقع والمكانة

رغم قِصَر عمر مسجد أبي الليل، إلا أنه يُعتبر من أشهر مساجد المدينة، كونه جاور أشهر المعالم الدينية للمدينة: بيت الإمام الصالح عيدروس، ومنزل رجل الخير والأعمال "بازرعة"، وقربه من أول مدرسة نظامية للمسلمين العرب في عدن، وهي مدرسة بازرعة الشهيرة، وكذلك مقبرة القطيع التاريخية.
وليس هذا فقط سبب شهرته، بل أيضًا الأئمة والعلماء الذين تعاقبوا على الصلاة بالناس أو تعليمهم أمور دينهم. وأشهرهم: الأستاذ الحجازي محمد مكي، مدير مدرسة بازرعة سابقًا، وكذلك الشيخ القارئ أحمد الأميني، صاحب الصوت الروحاني في تلاوة القرآن، الذي وُلّي الإمامة رسميًا عام 1980م، ولا يزال حتى اليوم يؤدي رسالته السامية في تعليم الناس القرآن الكريم والعلوم الشرعية.

سيرة الشيخ أحمد الأميني

كان حب الشيخ القارئ أحمد الأميني لحفظ القرآن الكريم والعلم الشريف دافعًا قويًا له لطلب العلم وتحمل مشقة نيله من كوكبة من علماء عدن المتأخرين، أمثال: الشيخ محمد سالم البيحاني، والشيخ علي باحميش، والشيخ سالم الشاطري، والشيخ عبد الرب جابر، والشيخ أحمد مهيوب، وغيرهم. كما أخذ العلم من مشايخ البعثات السودانية والمصرية التي كانت تزور مدينة عدن، مما جعله داعيةً وخطيبًا مفوهًا، وأكسبته مقدرةً فريدة في تعليم القرآن والعلوم الشرعية لأجيال متعاقبة من قاصدي هذا المسجد المبارك.

التوسعة والتجديد

نتيجةً لتوسع أنشطة المسجد وازدياد أعداد مرتاديه، تم هدم المسجد القديم بطرازه الأثري وإعادة بنائه وتوسعته بأسلوب معماري جمع بين العراقة والحداثة، ليُفتح أبوابه مجددًا أمام جموع المصلين من مختلف حارات المدينة في 15 رمضان 1421هـ، الموافق يوم الاثنين 11 ديسمبر 2000م.

أنشطة المسجد اليوم

بعد بناء وافتتاح مسجد أبي الليل، زادت أنشطته وتنوعت: من تعليم القرآن الكريم ، وإقامة المحاضرات والدروس الدينية، وإعداد النشرات العلمية والدعوية، وبرامج التكافل الاجتماعي، واستمر تدفق الطلاب والطالبات إليه من مختلف الأعمار فإمام وخطيب المسجد الذي أفنى عمره في خدمة كتاب الله ونشر دعوته بأسلوب متميز، استطاع أن يجعل المسجد منارةً للعلم والدعوة.

هذا هو مسجد أبي الليل، وهذه قصته التي اختزلناها باختصار، فالمسجد، رغم أن عمره لم يتجاوز المئتي عام، إلا أنه يُعتبر من أشهر مساجد مدينة عدن، المدينة التي عُرفت بأنها بيت العلم والعلماء.

متعلقات