شهر كالحلم.. وحقيقة كالصخر.
الخميس - 04 يونيو 2026 - الساعة 12:35 م بتوقيت العاصمة عدن
تقرير "عدن سيتي" روعة جمال
بعد أشهر من الغياب، غياب الصوت الذي اعتدنا عليه، وغياب المجلس الانتقالي والقائد عيدروس عن ميدان الواقع، وقف الجميع يسأل - ماذا تغير؟ وكيف حال من دخل الساحة، وحال من أُدخلوا إليها؟
سؤال يطرقه الوجع على أبواب كل بيت، الجواب لا يكتب بالحبر، بل يرسم على وجوه الناس.
تحدثت قنوات "العربية" و"الحدث" وغيرها من الفضائيات العالمية عن "تغييرٍ اقتصادي مبارك" برعاية المملكة، شهر كامل والشاشات لا تهدأ - وزير يطلع، ووزير ينزل، وخطابات ترش على مسامعنا كالماء على الرماد، حتى المجلس الانتقالي قالها صريحة - "إن كان هدف الأشقاء عودة الخدمات، فهذا ما نادينا به سنين".
في تلك الأيام اشتعلت الزوايا والمنابر، الإعلاميون والمرائيون والصحفيون، الكل خرج يوزع البشارات، أسماء تلمع على الشاشات، تعلن "النصر"، وترينا الثلاجات تمتلئ بالبرودة، والكهرباء تضيء 24 ساعة بلا انقطاع، انبهر الناس حتى قال قائلنا متهكما - "لعل بن سلمان يملك العصا السحرية".
كنا نستغرب ونحن نرى العمال هم، والمسؤولون هم، والبنك هو البنك، والشبكة هي الشبكة، لم يصل سلك واحد جديد، ولم نر سفنا ترسو لأجل مازوت كهرباء عدن، إنما خلال أسبوع انحل ملف الكهرباء الشائك، ولم تمد يد غريبة، فقلنا لأنفسنا - "دعونا من التمحيص، المهم أن الضوء عاد، والباقي تفاصيل".
ولكنه كان كأنا أمام سراب في صحراء، يلمع من بعيد فيحسبه الظمآن ماء، حتى إذا أتاه لم يجده شيئا، إلا وهما جميلا زال مع أول نسمة.
شهر واحد عشناه كالحلم، نعيم مؤقت غشنا بحلاوته، ثم اختفى فجأة بلا إنذار، وما إن ولى ذلك الشهر حتى عاد الظلم أثقل، والقهر أشد، والوجع أعمق من ذي قبل.
حينها فقط أدركنا، وأدرك العالم معنا، أن مفاتيح الخدمات ليست في أيدينا، وأن قرار إطفاء النور وإشعاله لا يصدر من عدن، بل من غرف بعيدة عند ذاك الظالم في الجارة الشقيقة ابن سلمان، بسببه عشر سنوات محرومون من الخدمات، وها هو اليوم يحرمنا ويأتي لنا بقوات شمالية وأخرى باكستانية ليصل إلى هدفه وسرقة أرضنا منا.
اليوم، بعد هذه الشهور التي مرت، وبعد شهر العسل، سكت من سكت، كأن القط التهم ألسنتهم، لم نعد نسمع صوت عادل وفتحي ومنصور ومقراط ليشرحوا لنا ما فيه الشعب من تدني الخدمات، أقل ما فيهم - هاتوا لنا أعذارا، قولوا لنا إن السعودية لا تستطيع، حتى تأتوا لنا بمحتل جديد.
يا وطني، كم من وعد زين لنا فكان قيدا، وكم من ضوء أُشعل لنا فكان خدعة قبل عتمة أطول، من للجنوب إذا سكت الشرفاء؟ اليوم تعاد عدن وأبين وكل الجنوب إلى جحيم الانقطاعات، والجميع صامت، إلى متى؟ وإلى متى ستظل الأقلام محجوبة عن قول الحق في الخدمات؟
لقد اتضحت الصورة، وسقطت الأقنعة، اليوم لم يعد في الميدان مكان إلا للشرفاء، أولئك الذين سيكونون مع الشعب، ومن الشعب، وللشعب، علينا أن نفضح من أعاد الخدمات شهرا ليتصدر قنوات الأخبار، ونقول - أين هي تلك الخدمات؟ أين هي تلك المفرقعات الإعلامية؟
واليوم، ها هو المجلس الانتقالي يعود، لا ليعيد الماضي، ليعيد الأمور إلى نصابها، ويعود المطر بعد جفاف، والفجر بعد ليل طويل، لينتزع مفاتيح الخدمات من يد من حرمها، ويردها لأصحابها.
فمن أطفأ النور شهرا وتصدر الشاشات، سيطفئه التاريخ للأبد، ومن صبر سنين على العتمة، سيكتب بضوئه ملحمة لا تنسى.
لأن الحق إن غاب - عاد أقوى.
_بقلم الكاتبة: روعة جمال_