أيُّ شرعية هذه إذا كان المواطن يعيش بلا كهرباء ولا ماء؟

الإثنين - 01 يونيو 2026 - الساعة 10:22 م بتوقيت العاصمة عدن

تقرير "عدن سيتي" توفيق جازوليت



سألني صديق من أبناء لحج سؤالاً بسيطاً في كلماته، عميقاً في دلالاته: " لماذا ما زلنا نعاني من انقطاع الكهرباء وشح المياه وتأخر الرواتب بعد كل هذه السنوات؟”

حين تتحول الكهرباء إلى حلم يومي، والمياه إلى معاناة متكررة، والراتب إلى قيمة لا تكفي لأيام معدودة، فإن المشكلة لم تعد أزمة خدمات، بل أزمة سلطة وفشل إدارة وانعدام أولويات.لقد سمع الجنوبيون خلال السنوات الماضية وعوداً لا حصر لها. وسمعوا عن منح وودائع ودعم ومشاريع وخطط إنقاذ. لكن ما الذي وصل إلى المواطن في النهاية؟

واقع معيشي يزداد سوءاً عاماً بعد عام، وانهيار مستمر في الخدمات الأساسية، وشعور متنامٍ بأن معاناة الناس أصبحت أمراً عادياً في حسابات القوى المتحكمة بالمشهد. المأساة الحقيقية ليست فقط في انقطاع الكهرباء، بل في أن هذا الانقطاع أصبح حالة طبيعية. وليست في نقص المياه، بل في تحول البحث عن الماء إلى جزء من الحياة اليومية. وليست في تأخر الرواتب، بل في أن الموظف لم يعد يعرف كيف يحافظ على كرامة أسرته في ظل تدهور القدرة الشرائية وانعدام الاستقرار الاقتصادي.

إن أي سلطة تُقاس بقدرتها على حماية حياة الناس وتحسين ظروفهم. وعندما تعجز عن ذلك لسنوات طويلة، فإن من حق المواطنين أن يطرحوا الأسئلة الصعبة: أين ذهبت الموارد؟ أين ذهبت الوعود؟ ولماذا لم تنعكس سنوات الدعم والمساعدات على حياة الناس؟

هل هناك مستفيد من استمرار الأزمة؟ نعم هناك أطرافاً تستفيد موضوعياً من استمرار الوضع الحالي. من بين هذه الأطراف:
“الشرعية " الفاقدة لشرعيتهاو المسؤولة في المقام الأول على مأساة الشعب الجنوبي
* شبكات الفساد التي تزدهر في بيئة الأزمات.
* المستفيدون من عقود الطوارئ والطاقة المشتراة والوساطات.
* بعض القوى السياسية التي تستخدم معاناة المواطنين كورقة ضغط في صراعات النفوذ.
* الأطراف التي تفضل بقاء الجنوب في حالة اعتماد دائم على الدعم الخارجي بدلاً من امتلاك مؤسسات مستقلة وقادرة على إدارة مواردها…وفي العلوم السياسية، كثيراً ما تتحول الأزمات المزمنة إلى مصدر نفوذ ومصالح لفئات معينة، ما يجعل إنهاءها أكثر صعوبة من استمرارها

لا يمكن الاستمرار في تعليق كل شيء على شماعة الحرب أو الظروف الاستثنائية. فالحروب تفسر بعض الأزمات، لكنها لا تبرر استمرارها إلى ما لا نهاية. كما أن الدعم الخارجي، مهما كان حجمه، يفقد قيمته عندما لا يترجم إلى مؤسسات فاعلة وخدمات مستقرة ومحاسبة حقيقية.
لقد دفع الشعب الجنوبي ثمناً باهظاً من أمنه واستقراره ومعيشته، وكان يتوقع أن تفضي هذه التضحيات إلى واقع أفضل. لكن ما يراه اليوم هو اتساع الفجوة بين ما يُقال وما يُنجز، وبين معاناة المواطن اليومية وخطابات المسؤولين.
ولهذا لم يعد السؤال: لماذا تنقطع الكهرباء؟
ولم يعد السؤال: لماذا تتأخر الرواتب؟
بل أصبح السؤال الأكبر: كيف يمكن لأي سلطة ( سواء كانت ما تلقب بالشرعية و من يسيطر على قراراتها من دول الجوار ) أن تطلب ثقة الناس وهي عاجزة عن توفير أبسط مقومات الحياة الكريمة لهم؟

تتحمل المسؤولية الحكومة المعترف بها دولياً، و السعودية المهيمنة على القرار السيادي في الجنوب ، غير أن المسؤولية لا تقف عند حدود الفاعلين المحليين والإقليميين، بل تمتد أيضاً إلى المجتمع الدولي الذي يرفع شعارات حقوق الإنسان وحماية المدنيين، بينما يلتزم الصمت تجاه معاناة ملايين السكان الذين يواجهون ظروفاً معيشية قاسية يوماً بعد يوم. إن تجاهل هذه الأوضاع المتفاقمة لا يلغي وجودها، بل يؤجل انفجارها فقط.

فالشعوب قد تصبر طويلاً على الأزمات السياسية، لكنها نادراً ما تصبر على العطش والظلام وانهيار مقومات الحياة. وإذا استمر هذا النهج القائم على إدارة الأزمة بدلاً من حلها، فإن الجنوب قد يتجه نحو موجة غضب شعبي واسعة يصعب احتواؤها أو التنبؤ بنتائجها. وعندها لن يكون السؤال: لماذا انفجر الشارع؟ بل لماذا تجاهل الجميع كل المؤشرات التي كانت تنذر بذلك منذ سنوات.

متعلقات