مقال للصحفي السعودي راشد بن ضيف الله العنزي
الأحد - 03 مايو 2026 - الساعة 11:48 ص بتوقيت العاصمة عدن
تقرير "عدن سيتي" خاص
خمسة أشهر مضت منذ اختفاء عيدروس الزبيدي عن المشهد في جنوب اليمن، اختفاء يحيطه الغموض وتكتنفه التساؤلات، لكن اللافت – وربما المثير للتأمل – أن هذا الغياب لم ينجح في إضعاف حضوره داخل وجدان الشارع الجنوبي، بل على العكس، بدا وكأنه عزّز من مكانته أكثر.
من يتابع المشهد من الخارج قد يظن أن غياب القائد كفيل بإعادة تشكيل المزاج الشعبي، لكن ما يحدث في الجنوب يكسر هذه القاعدة.
فالرجل، رغم غيابه، لا يزال حاضرًا في الهتافات، في الأحاديث اليومية، وفي حالة الالتفاف الشعبي التي تتسع حتى بين من كانوا يومًا في صفوف المختلفين معه.
وحين نتحدث عن “الشعب” هنا، فنحن لا نشير إلى طبقة القيادات المتقلبة أو أصحاب المصالح الضيقة الذين تتبدل مواقفهم بتبدل الظروف، بل نتحدث عن القاعدة الصلبة: المواطن البسيط، الإنسان العادي، الذي لا تغريه الصفقات ولا تستميله الامتيازات.
هذا هو المعيار الحقيقي لقياس الشعبية، وهذا هو الامتحان الذي يبدو أن الزبيدي قد اجتازه.
من أراد أن يفهم هذه الحالة، فلن تكفيه التقارير ولا التحليلات البعيدة، بل عليه أن يقترب من الشارع الجنوبي، أن يستمع للناس، أن يرى بعينه كيف تُصنع القناعات بعيدًا عن الضجيج السياسي. هناك فقط، تتضح الصورة.
اليوم، ومع الدعوات لتجديد العهد والتفويض، يظهر المشهد وكأنه استفتاء شعبي غير معلن. حشود تتحرك، وأصوات ترتفع، ورسالة واحدة تتكرر: الثقة لا تزال قائمة.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا: ما سر هذه العلاقة بين الرجل وقاعدته الشعبية؟ لماذا يستمر هذا الالتفاف رغم كل محاولات الإبعاد والتشويه؟
الإجابة، كما يراها كثيرون في الجنوب، تكمن في عنصر نادر في عالم السياسة: الصدق. صدق في الخطاب، ووفاء في الموقف، وثبات في الانتماء. وبينما تتكسر كثير من القيادات على صخرة المصالح، يبدو أن صورة الزبيدي – في نظر مؤيديه – بقيت بمنأى عن ذلك.
لقد شهدت الساحة محاولات عديدة لإعادة تشكيل المشهد: حملات إعلامية، استقطابات مالية، وتبدلات في المواقف. ومع ذلك، ظل الشارع الجنوبي متمسكًا بخياره، وكأنه يبعث برسالة واضحة مفادها أن الثقة لا تُشترى، وأن الولاء لا يُفرض.
في النهاية، قد يختلف البعض مع هذه الحالة أو يفسرها بطرق متعددة، لكن تجاهلها ليس خيارًا. فالشعوب، حين تتمسك بخيار ما، فإنها تعبر عن قناعة عميقة لا يمكن القفز عليها بسهولة.
الرسالة الأهم هنا ليست في شخص واحد بقدر ما هي في فهم هذا الشعب: شعب عنيد، صلب، لا ينقاد بسهولة، ولا تغريه الوعود البراقة. ومن أراد أن يكون جزءًا من مستقبله، فعليه أن يكون قريبًا منه، لا عليه.
ففي السياسة، قد تُصنع التحالفات في الغرف المغلقة، لكن الشرعية الحقيقية… تولد دائمًا في الشارع.