الأحد-26 أبريل - 06:02 م-مدينة عدن

حين تُصفّقُ الساحات… وتنتظر الأوطان المؤسسات.

الأحد - 26 أبريل 2026 - الساعة 04:22 م بتوقيت العاصمة عدن

تقرير "عدن سيتي" هيثم بن سبعه اليافعي.



في السياسة، لا تُقاس عظمة المشاريع الوطنية بعدد من يملؤون الساحات، ولا بارتفاع الهتافات، ولا باتساع مشاهد الالتفاف الشعبي حول القيادات، مهما بلغت رمزية تلك المشاهد وقوتها التعبوية. فالحشود — على أهميتها — ليست سوى شهادة ثقة أولية، أما الاختبار الحقيقي لأي مشروع وطني فيبدأ بعد انفضاض الجماهير، حين يُسأل القائمون عليه:
ماذا صنعتم بكل هذا التأييد؟ وكيف حوّلتم العاطفة الشعبية إلى بناءٍ سياسي ومؤسسي يليقُ بحجم التضحيات؟
ذلك أن الجماهير تستطيع أن تمنح الشرعية، لكنها لا تستطيع أن تقوم مقام المؤسسات. والتصفيق، مهما علا، لا يغني عن التنظيم.
والهتاف، مهما دوّى، لا يبني دولة ولا يصنع قرارًا رشيدًا ولا يؤسسُ مشروعًا قابلًا للحياة والاستمرار.

ومن هنا، فإن أخطر ما قد يصيب أي قضية عادلة أن تُحبسَ داخل المشهد الرمزي، وأن تُدار بمنطق التعبئة المستمرة بدلًا من منطق البناء المتراكم؛ إذ تتحول الحشود من حيث لا يُراد لها، إلى غطاءٍ نفسي وسياسي يؤجل الأسئلة الصعبة، ويمنح وهم الإنجاز في موضعٍ يحتاج إلى مراجعة وتطوير ومصارحة.

إن القضية الوطنية التي تُختزل في شخص، أيًّا كانت مكانته أو رمزيتُه، تكون قد غادرت منطق الدولة إلى منطق الزعامة، ومنطق المؤسسات إلى منطق الفرد، وهو انتقال لا تصمد معه المشاريع طويلًا مهما بلغ وهجها في لحظات التعبئة.

فالأوطان لا تُبنى بالكاريزما، ولا تُدار بالرمزية، ولا تُحمى بالمشروعية الشعبية وحدها ما لم تسندها بنية مؤسسية صلبة تُوزّع القرار، وتُنظّم المسؤولية، وتضمن الاستمرارية.

ولعلّ أول ما يقتضيه أي تفويض شعبي جديد — إن أُريد له أن يكون فعلًا سياسيًا منتجاً لا مجرد طقس تعبوي متكرر أن يُترجم إلى مراجعة شجاعة لبنية القيادة وآليات اتخاذ القرار، وأن يُعلن بوضوح الانتقال من شرعية الحشد إلى شرعية المؤسسة، ومن مركزية القرار إلى شراكته، ومن التفويض العاطفي إلى التفويض المنظَّم المقترن بالمساءلة والإنجاز.

وفي هذا السياق، فإن تشكيل مجلس قيادي مصغّر يضم ممثلًا واحدًا عن كل محافظة جنوبية، من أصحاب الكفاءة والسجل الوطني والنزاهة المشهودة، يُعتبر مكتب سياسي يخضعُ للمحاسبة أمام الجمعيةِ الوطنية _ لم يعد ترفًا تنظيمياً ولا مقترحاً تحسينياً ، بل ضرورة سياسية وأخلاقية ووطنية؛ لأنهُ وحدهُ الكفيلُ بإثبات أن المشروع يتجهُ نحو التمثيل الحقيقي لا الاحتكار الضمني، ونحو الشراكة الفعلية لا الرمزية، ونحو بناء مؤسسات تتجاوز الأشخاص لا كيانات تدور في أفلاكهم.

أما الإبقاء على المشهد كما هو حشود تتجدد، وخطابات تتكرر، وقرار يظل محصورًا في دائرةٍ ضيقةٍ ، فإنهُ لم يعد يُقرأ باعتباره دليل تماسك، بل قد يُقرأ بوصفه مؤشرًا على تعثر الانتقال من التعبئة إلى البناء، ومن الشرعية الشعبية إلى النضج المؤسسي.

والأشد خطورة أن خصوم أي مشروع سياسي لا يراهنون عادةً على إسقاطه في الشارع ما دام يمتلك جماهيره؛ بل يراهنون على إنهاكه من داخله، عبر تركه أسيرًا لبنيته التقليدية، عاجزًا عن التطور، مترددًا في تحديث أدواته، متأخرًا عن مستوى تطلعات مناصريه قبل خصومه.

إن الجماهير التي تحتشد لا تطلب من قياداتها أن تبقى بارعة في الخطابة وحسب، بل أن تكون أكثر براعة في الإدارة. لا تمنح ثقتها لتشهد مهرجاناً آخر، بل لتلمس انتقالًا حقيقياً من الرمزية إلى الفاعلية، ومن الزخم إلى الإنجاز، ومن المشهد إلى الدولة.

مع تأكيدنا على عدم الخلط والإزدواجية بين مهام الدولة والثورة.

والحقيقة التي لا يجوز تأجيلها أكثر من ذلك هي أن المشروع الذي ينجح في تعبئة الشارع لكنه يتباطأ في بناء المؤسسة، يعرّض نفسه لخطر أن يتحول بمرور الوقت من مشروع تحرر واعد إلى حالةٍ سياسيةٍ تستمدُ شرعيتها من التصفيق أكثر مما تستمدها من الأداء.

فالتاريخ، في نهاية المطاف، لا يخلّدُ أولئك الذين ملأوا الساحات وحدهم…
بل يخلّدُ الذين عرفوا كيف يحوّلون الهتاف إلى نظام، والتأييد إلى مؤسسة.

هيثم بن سبعه اليافعي.
25/ 4/ 2026م.

متعلقات