في محاولة فهم ما جرى في عدن وحضرموت

الثلاثاء - 07 أبريل 2026 - الساعة 11:31 ص بتوقيت العاصمة عدن

تقرير "عدن سيتي" قاسم المحبشي



حين تنخفض معايير التنافس الطبيعي في أي مجتمع—معايير التفوق والكفاءة والجدارة والعلم والخبرة والنزاهة—لا يبقى الفراغ طويلاً، بل يتحول سريعاً إلى مسرح مفتوح للمزايدين والمهرجين والادعياء، أولئك الذين يتقنون فن الظهور أكثر من فن الإنجاز، ويجيدون الادعاء أكثر من امتلاك المعرفة. في تلك اللحظة، لا يكون الخلل مجرد انحراف عابر، بل بداية لانقلاب عميق في منظومة القيم، حيث يُدفع بالأفضل إلى الهامش، ويُستدعى الأسوأ إلى الصدارة، فتتراجع الكفاءة أمام الضجيج، وتنهزم الجدارة أمام الوقاحة، ويغدو الغباء معياراً خفياً للترقي والاختيار لكن هذا الانقلاب لا يحدث في الفراغ، بل يرتبط على نحو وثيق بطبيعة العلاقة بين المجتمع ومؤسساته. فالمجتمعات التي تفشل في حماية مؤسساتها العامة، أو تفرط فيها لصالح الأشخاص، تجد نفسها عاجلاً أم آجلاً تحت رحمة الأهواء الفردية والنزوات العابرة. ومن هنا تبرز الحقيقة الصادمة: الشعوب التي لا تقاتل من أجل مؤسساتها العامة أكثر من دفاعها عن الأشخاص الذين يديرونها، لن تجد من يحميها ولا من يصون مصالحها. فالأشخاص، مهما بلغت قدراتهم، يظلون كائنات عابرة، بينما المؤسسات وحدها هي التي تملك قابلية الاستمرار والتراكم ففي مثل هذه البيئات الاجتماعية التي فقدت مؤسساتها الحامية لا يكفي الوعظ الأخلاقي ولا التنظير القيمي لاستعادة التوازن. فالمجتمعات لا تتغير بالكلمات وحدها، بل بالنماذج الحية. الناس بحاجة إلى أن ترى بأعينها تجسيداً للمثل العليا في السلوك والنجاح، لا أن تسمع عنها فقط. فالنموذج الحي يمتلك قوة إقناع تفوق آلاف الخطب، لأنه يختصر المسافة بين الفكرة والتطبيق، ويُعيد تعريف الممكن في الوعي الجمعي. وحين تغيب هذه النماذج، أو تُقصى، يترسخ شعور عام بأن النجاح لا يتحقق إلا عبر الطرق الملتوية، وأن النزاهة عبء، وأن الجدارة ترف غير مجدٍ إذ أن انهيار المعايير ليس مجرد مشكلة أخلاقية، بل أزمة وجودية تمس بنية المجتمع وقدرته على الاستمرار. فحين يشعر المجتهدون بأن جهدهم لا يُكافأ، وحين يرى الموهوبون أن الساحة محجوزة للمدعين، فإنهم إما ينسحبون إلى الهامش، أو يهاجرون، أو ينكسرون داخلياً. وفي كل الحالات، يخسر المجتمع رأس ماله الحقيقي: الإنسان القادر على البناء. وفي المقابل، يتمدد الفراغ الذي يتركه هؤلاء ليملأه من لا يملكون إلا القدرة على التكيف مع الرداءة.

لقد ظلت السلطة السياسية، عبر التاريخ، قطب الرحى في حياة البشر، فهي الحاضرة دائماً، والخطر الأكبر، والضرورة التي لا يمكن تجاوزها. إنها الإطار الذي تُدار من خلاله علاقات القوة، وتُحسم داخله صراعات المصالح، وتُصاغ عبره شروط العيش المشترك. غير أن خطورتها لا تكمن فقط في حضورها الدائم، بل في الكيفية التي تُمارس بها، خاصة في اللحظات الاستثنائية، حين تنهار المعايير وتُستبدل بالارتجال، وحين يُملأ الفراغ السياسي بأي شكل كان، دون شروط واضحة أو آليات ضابطة ففي اللحظة المضطربة، تتقدم العلاقات الشخصية على حساب المعايير الموضوعية، ويصبح القرار رهيناً بحدس القائد وخبرته وسعة أفقه. وهنا تظهر قيمة القيادة الحقيقية، لا بوصفها سلطة فوقية، بل كقدرة على الاختيار السليم في غياب المعايير المستقرة. القيادة، بهذا المعنى، ليست استعراضاً للقوة، بل مهارة دقيقة في دفع الأكفأ إلى المقدمة، كما وصفها نيلسون مانديلا حين شبّه القائد بالراعي الذي يسير خلف القطيع، موجهاً أفضل عناصره إلى الأمام دون أن يفرض حضوره بشكل مباشر. غير أن هذه الحكمة القيادية، مهما بلغت، تظل حلاً مؤقتاً، لا يمكن أن تعوض غياب المؤسسات ولا أن تحل محلها.

فالمشكلة الحقيقية تبدأ حين يتحول الاستثناء إلى قاعدة، وحين تستمر إدارة الشأن العام بعقلية الطوارئ، دون الانتقال إلى بناء منظومة مؤسسية تحكمها قواعد واضحة. عندها، تصبح الأخطاء التي كان يمكن تفهمها في ظروف استثنائية، نمطاً دائماً من الأداء، وتتحول الهفوات إلى بنية مستقرة، ويغدو العبث بالمؤسسات أمراً مألوفاً. ولعل أكثر مظاهر هذا العبث خطورة هو إسناد المسؤوليات إلى غير المؤهلين كما حدث في مدينة عدن الحبيبة ، في مشهد يكاد يكون سوريالياً في بعض الأحيان: شخص لا علاقة له بالبحر يقود سفينة، وآخر لا يعرف المدرسة يدير مؤسسة تعليمية، وثالث لم يقرأ كتاباً يتولى وزارة الثقافة، ورابع بلا خبرة إعلامية يشرف على مؤسسة إعلامية كبرى. هذه ليست مجرد أخطاء إدارية، بل تعبير صارخ عن انهيار المعايير، وعن استبدال مبدأ “الشخص المناسب في المكان المناسب” بمنطق المحاباة والولاءات والعلاقات الشخصية فقد يُقال إن مثل هذه الأخطاء واردة في الفترات الانتقالية، وهذا صحيح جزئياً، لكن الخطأ الفادح هو عدم تصحيحها في الوقت المناسب، وتركها تتضخم حتى تتحول إلى إهانة علنية لهيبة المؤسسات. فالمؤسسة التي تُدار بلا كفاءة تفقد احترام الناس، وحين تفقد احترامهم، تفقد قدرتها على التأثير، وتتحول تدريجياً إلى كيان فارغ، مجرد اسم بلا مضمون.
وهذا ما سبق وأن نبهت اليه في أكثر من مقال منها( في المدينة والتمدن ولا خيارات أخرى)
لانني ادرك بان ماذا يعني التضحية بالمؤسسات العامة من أجل إرضاء الأشخاص، مهما كانت مكانتهم أو قربهم من مراكز القرار. فالمؤسسات العامة ليست ملكاً خاصاً لأحد، بل هي ملك للمجتمع بأسره، وهي ثمرة جهود أجيال متعاقبة. والتفريط بها لا يعني فقط إهدار الحاضر، بل قطع الطريق على المستقبل. لذلك، فإن حماية المؤسسات ليست ترفاً سياسياً، بل شرطاً أساسياً لبقاء المجتمع نفسه وفي غياب هذه الحماية، لا يبقى أمام الأفراد سوى النقد بوصفه وسيلتهم الوحيدة للدفاع عن الصالح العام. فالنقد، في جوهره، ليس تخريباً ولا معارضة عبثية، بل تعبير عن حرص عميق على بقاء المؤسسات واستقامتها. والذين ينتقدون الانحرافات هم، في الغالب، أكثر الناس تعلقاً بمؤسساتهم، لأنهم يدركون أن انهيارها يعني انهيار الإطار الذي يحمي الجميع. ومن المؤسف أن يُقابل هذا النقد أحياناً بالتجاهل أو التخوين، بدل أن يُستفاد منه كآلية تصحيح ضرورية.

إن المعضلة الأساسية هنا تكمن في الخلط بين الأشخاص والمؤسسات، وفي تقديم الولاء للأفراد على حساب الولاء للقواعد. فالدولة الحديثة لا تُبنى على الأشخاص، بل على مؤسسات عقلانية قانونية، تضمن المساواة بين المواطنين، وتكافؤ الفرص، وخضوع الجميع لنفس المعايير. وفي هذا الإطار، لا يكون السؤال: من هو الوطني ومن هو غير الوطني؟ بل: كيف يمكن أن يعيش المواطن بكرامة وأمن وسلام داخل نظام يضمن حقوقه بغض النظر عن انتماءاته؟

وقد أثبت التاريخ أن النظم التي تتمحور حول الأشخاص، مهما بدت قوية في لحظة معينة، هي نظم هشة في جوهرها، لأنها ترتبط بوجود فرد أو مجموعة محدودة. فإذا زال هؤلاء، زال النظام معهم. أما النظم التي تقوم على مؤسسات راسخة، فإنها تمتلك القدرة على الاستمرار والتكيف، لأنها لا تعتمد على فرد بعينه، بل على قواعد وإجراءات يمكن نقلها وتطويرها عبر الزمن فالمجتمعات التي نجحت في بناء مؤسسات بيروقراطية حديثة استطاعت أن تحافظ على استقرارها وازدهارها لقرون، بينما تعثرت المجتمعات التي ظلت أسيرة الشخصنة والصراعات الفردية. فالمؤسسات، في نهاية المطاف، ليست مجرد هياكل إدارية، بل هي تجسيد عملي للقيم التي يتبناها المجتمع. نحن نبني مؤسساتنا وفقاً لقيمنا، ثم تعود هذه المؤسسات لتعيد تشكيلنا وفقاً للقواعد التي تفرضها عبر “الممارسة” اليومية، حيث تتجسد السياسة فعلياً، لا في الشعارات ولا في النصوص، بل في ما يفعله الناس حقاً في حياتهم اليومية. فالممارسة هي الجزء المحتجب من جبل الجليد، وهي التي تكشف حقيقة علاقات القوة والاستراتيجيات المعلنة والمضمرة التي تحكم المجتمع. قد تبدو السياسة في ظاهرها خطابات ومواقف، لكنها في جوهرها شبكة معقدة من التفاعلات اليومية، والقرارات الصغيرة، والسلوكيات المتكررة التي تشكل، مجتمعة، بنية الواقع الاجتماعي. ففي، الممارسة الفورية اليومية المباشرة للحياة الاجتماعية لا مكان للتجريدات لكلام والبيان والخطب والمواعظ ، بل هناك (حياة بلا مزايا) بحسب جلبر ، حياة مليئة بالانشغالات الروتينية، والحاجات الملحة، والصراعات الصغيرة، والرهانات المستمرة. وهنا، تحديداً، تتجلى آثار انهيار المعايير أو قوتها. فحين تكون المؤسسات قوية، تنعكس قوتها في انتظام الحياة اليومية، وفي شعور الناس بالأمان والإنصاف. أما حين تضعف، فإن الفوضى تتسرب إلى أدق تفاصيل الحياة، ويصبح كل شيء عرضة للمساومة وهنا يمكن فهم معنى الفرق بين السياسة والسياسي عند روجيس دوبرية والصورة البليغة التي ترى " أن السياسة تخفي “السياسي” كما يخفي القطار السكة التي يسير عليها" ( ينظر ، دوبرية نقد العقل السياسي) فالممارسات اليومية، رغم وضوحها، تخفي البنية العميقة التي توجهها: بنية القوة. هذه “السكة” غير المرئية هي التي تحدد اتجاه الحركة، وهي التي تجعل كل القطارات—أي كل الأفعال—تسير ضمن مسار معين، مهما بدت مختلفة في ظاهرها. وإذا كانت هذه السكة معطوبة، فإن كل ما يسير عليها سيكون معطوباً بالضرورة فالدفاع عن المؤسسات دفاعاً عن هذه “السكة” نفسها، عن القواعد التي تنظّم الحركة وتمنع الانحراف. وحين يتخلى المجتمع عن هذا الدفاع، ويستبدله بالانحياز للأشخاص، فإنه يغامر بفقدان السيطرة على مساره بالكامل. فالأشخاص قد يبدون جذابين أو مقنعين أو قريبين، لكنهم، في غياب مؤسسات تضبطهم، يتحولون إلى مصادر محتملة للفوضى.
أن إلحاحي الدائم على اهمية حماية المؤسسات العامة لا يعني التقليل من قيمة الأفراد، بل وضعهم في إطار يحفظ طاقتهم ويوجهها نحو الصالح العام. فالأشخاص يأتون ويذهبون، أما المؤسسات فهي التي تبقى، وهي التي تمنح الأفعال الفردية معناها واستمراريتها. وبدونها، يصبح كل إنجاز عرضة للزوال، وكل جهد مهدداً بالضياع.

وعلينا أن ندرك معركتنا الحقيقية ليست فقط ضد الفقر أو الجهل، بل ضد انهيار المعايير وتفكك المؤسسات. فحين تُستعاد هذه المعايير، وتُحمى المؤسسات من العبث، يصبح من الممكن إعادة الاعتبار للكفاءة والجدارة، وفتح الطريق أمام المبدعين والموهوبين للعودة إلى الواجهة. أما إذا استمر الانحدار، فإن المشهد سيظل مفتوحاً للمهرجين والادعياء، وسيبقى المجتمع يدور في حلقة مفرغة من الفوضى والخيبة كما هو حالنا ومآلنا اليوم في عدن وحضرموت فالسؤال المهم لا يتعلق فقط بمن يحكم، بل بكيفية الحكم، ولا بمن يتصدر المشهد، بل بالمعايير التي أوصلته إليه. فحيث تكون المؤسسات قوية، يمكن للأخطاء أن تُصحح، وللمسار أن يُعدل. أما حيث تغيب، فلا معنى للكلام، ولا جدوى من الدوران، لأن السكة نفسها تكون قد اختفت.

متعلقات