الأربعاء-25 فبراير - 09:01 م-مدينة عدن

«عبدالقوي الشعبي… سيرة وطنٍ في ذاكرة رجل»

الأربعاء - 25 فبراير 2026 - الساعة 07:01 م بتوقيت العاصمة عدن

عدن سيتي _متابعات



*نشرت صحيفة "الأيام" العدنية العريقة يوم الجمعة 20 فبراير 2026 مقالًا تأبينيًا لي عن فقيد الوطن الكبير الأستاذ عبدالقوي محمد رشاد الشعبي بالعنوان أعلاه.*
وهو شهادة وفاء في رحيل أحد رجالات عدن واليمن الكبار، ممن اقترنت سيرتهم بجيل الاستقلال وبمسيرة بناء الدولة، وقد حرصت فيه على الجمع بين البعد الشخصي والتوثيق التاريخي، بما يليق بمقام الفقيد ومكانته.

*النص الكامل للمقال:*

*«عبدالقوي الشعبي… سيرة وطنٍ في ذاكرة رجل»*

بقلم: السفير د. محمد قباطي

فقدت عدن، ومعها اليمن، برحيل الشيخ عبدالقوي محمد رشاد الشعبي، أحد رجالات جيل الاستقلال، وقامةً وطنيةً ارتبط اسمها بمراحل مفصلية من تاريخ الدولة الحديثة، وبمسيرةٍ امتدت عبر عقودٍ من التحولات الكبرى، شهد خلالها ميلاد الدولة، وصراعاتها، وانكساراتها، ومحاولات نهوضها المتكررة. وبرحيله، لا نودّع رجلًا فحسب، بل تنحسر صفحة من الذاكرة الحية لجيلٍ حمل عبء اللحظة التأسيسية بكل ما فيها من آمالٍ جسام وتحدياتٍ قاسية.

﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ • الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

لقد عرفناه، منذ طفولتنا، في بيت جدّي في حافة العجائز بكريتر، حيث كنا نناديه بعفويةٍ محببة "الخويل"، دون أن ندرك أن ذلك الرجل الهادئ، بسمته الوقور ونبرته الرصينة، كان يحمل في داخله تجربة جيلٍ بأكمله، جيلٍ وجد نفسه فجأة أمام مسؤولية بناء دولةٍ وليدة، في زمنٍ كانت فيه المنطقة بأسرها تغلي بتحولات ما بعد الاستعمار.

ينتمي الفقيد إلى أسرةٍ لم تكن مجرد أسرةٍ اجتماعية، بل كانت جزءًا من النسيج السياسي الحديث لليمن. فمن والده الشيخ محمد رشاد الشعبي، الذي حمل صوت الأرض وقضيتها إلى مجلس المبعوثان في إسطنبول في أواخر العهد العثماني، إلى ابن عمّه وصهره الرئيس قحطان الشعبي، الذي قاد لحظة الاستقلال، إلى أخيه غير الشقيق الشهيد فيصل عبد اللطيف الشعبي، أول رئيس وزراء بعد الاستقلال، كانت هذه الأسرة حاضرةً في قلب التحولات التاريخية، لا على هامشها.

وقد وجد عبدالقوي الشعبي نفسه، مثل كثيرٍ من أبناء ذلك الجيل، جزءًا من تجربة الدولة الجديدة، فتولّى موقع وكيل وزارة الخارجية، مشاركًا في رسم ملامح الحضور الدولي للدولة الوليدة. غير أن تلك المرحلة، التي حملت آمالًا عريضة، لم تخلُ من صراعاتها الداخلية القاسية، التي عصفت بكثيرٍ من رجالها.

في هذا السياق، تعرّض الفقيد للاعتقال في معتقل "الفتح" الشهير، حيث قضى ما يقارب اثني عشر عامًا من عمره. ولم تكن تلك التجربة مجرد احتجازٍ جسدي، بل كانت تجربة وجودية عميقة، إذ وجد نفسه في ذات المبنى الذي كان يحتجز فيه ابن عمّه وصهره الرئيس قحطان الشعبي، وأخوه الشهيد فيصل عبد اللطيف الشعبي. وهناك، في الشهر الأول من اعتقالهم، دوّى صوت الرصاص الذي أنهى حياة فيصل، في واقعةٍ مأساويةٍ ظل صداها يتردد في ذاكرة من عايشوها، كشاهدٍ على إحدى أكثر لحظات تلك المرحلة ألمًا وتعقيدًا.

وبعد سنواتٍ طويلة، سُمح لوالده الشيخ محمد رشاد الشعبي بزيارته، في لقاءٍ اختلطت فيه مشاعر الفقد والخوف والرجاء، حيث عبّر الأب، بمرارة تلك المرحلة، عن قناعته بأن بقاء ابنه في السجن، على قسوته، ربما كان حمايةً له من مصيرٍ أكثر قسوة، في زمنٍ شهد اختفاء وتصفياتٍ غامضة طالت عددًا من القيادات، فيما ظلّت الدولة نفسها تعيد تشكيل توازناتها الداخلية.

وبرغم قسوة تلك التجربة، لم ينكفئ الفقيد على ذاته، بل عاد إلى العمل العام بعد خروجه، مؤمنًا بأن خدمة الوطن لا تختزلها لحظة ألم، ولا يلغيها ظلم مرحلة. فأسهم في مؤسسات التخطيط والطاقة والنفط، ثم في الحياة النيابية، قبل أن يتولى رئاسة المنطقة الحرة في عدن عام 1992، في لحظةٍ كانت تحمل آمالًا بإعادة إدماج عدن في الاقتصاد العالمي، واستعادة دورها التاريخي كميناءٍ محوري في المنطقة.

كما عاد، بعد عقود، للمشاركة في مؤتمر الحوار الوطني، ممثلًا جيلًا سبق في ذاكرته السياسية كل الانقسامات اللاحقة، جيلًا كان لا يزال يرى في الدولة فكرةً تستحق المحاولة، رغم كل ما أصابها من تصدعات.

إن القيمة التاريخية لتجربة عبدالقوي الشعبي لا تكمن فقط في المواقع التي شغلها، بل في كونه كان شاهدًا حيًا على المسار الكامل للدولة الحديثة في الجنوب واليمن عمومًا: من لحظة التأسيس، إلى صراعات السلطة، إلى محاولات إعادة البناء. فقد جسّد، في مسيرته، مفارقة جيل الاستقلال ذاته، الذي أسهم في بناء الدولة، ثم دفع، في كثيرٍ من الأحيان، ثمن صراعاتها.

وبرحيله اليوم، يتقلّص عدد الشهود الأحياء على تلك اللحظة المؤسسة، في وقتٍ تواجه فيه اليمن واحدة من أخطر أزماتها الوجودية، حيث لم تعد معركة اليمن مجرد صراعٍ على السلطة، بل أصبحت، في جوهرها، صراعًا على استعادة فكرة الدولة نفسها.

إن رحيل هذا الجيل لا يمثل خسارةً إنسانية فحسب، بل يمثل أيضًا خسارةً لذاكرةٍ سياسيةٍ كانت تختزن دروس التجربة، بكل نجاحاتها وإخفاقاتها. فالأمم لا تُبنى فقط بالمشاريع، بل أيضًا بالذاكرة، ولا يمكن لأي مستقبلٍ مستقر أن يقوم دون فهمٍ عميق لمسار الماضي.

لقد غادرنا عبدالقوي الشعبي، لكنه ترك وراءه سيرةً تختزل مسار وطن، وتبقى، في جوهرها، شهادةً على زمنٍ كان فيه الرجال، بكل ما لهم وما عليهم، يحملون فكرة الدولة في وجدانهم، حتى في لحظات سقوطها.

رحم الله الفقيد، وجعل إرثه جزءًا من الذاكرة الوطنية التي لا تموت.

متعلقات