بين استحقاق التمثيل وميثاق الأرض: هل يُمكن الالتفاف على الإرادة الجنوبية؟
الخميس - 19 فبراير 2026 - الساعة 09:15 م بتوقيت العاصمة عدن
عدن سيتي | تقرير خاص | فاطمة محمد
في خضمّ التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعيد رسم ملامح المنطقة، يتجاوز التفاف شعب الجنوب حول المجلس الانتقالي كونه مجرد اصطفاف سياسي عابر؛ إنه في جوهره "عقد اجتماعي" كُتبت بنوده في ميادين النضال قبل أن تُصاغ في المكاتب السياسية. هذا التمسك الشعبي بالمجلس ليس شيكًا على بياض، بل هو تفويض مشروط بحماية تطلعات شعب يرى في قضيته استحقاقًا وجوديًا لا يقبل القسمة على اثنين، ولا يخضع لمنطق المساومات الآنية.
تحوّل المسار: من وهج الميادين إلى ثبات المؤسسة
لقد شكل "إعلان عدن التاريخي" نقطة الفصل بين مرحلتين؛ حيث نُقلت القضية الجنوبية من حالة الزخم الثوري العفوي إلى فضاء العمل المؤسسي المنظم. هذا الانتقال لم يكن ترفًا إداريًا، بل ضرورة لفرض واقع سياسي جديد يمتلك لغة دبوماسية رصينة تخاطب العالم، وفي الوقت ذاته تحافظ على "عصب" المقاومة في الداخل. إن نجاح المجلس في خلق هذا التوازن وضع القضية في مرتبة "التمثيل الشرعي" الذي لا يمكن تجاوزه، محولاً إياها من مجرد "مظلمة حقوقية" إلى "مشروع سياسي" متكامل الأركان، يهدف في جوهره إلى استعادة الدولة وصون الهوية الوطنية الجنوبية من محاولات التفتيت أو الذوبان.
المكتسبات السياسية والميدانية: "خطوط النار" التي لا تُمس
إن قراءة الواقع الميداني تؤكد أن ما تحقق من منجزات، سواء عبر الاعتراف الدولي والإقليمي المتزايد أو من خلال الانتصارات النوعية للقوات المسلحة الجنوبية في تجفيف منابع الإرهاب، لم يكن ليحدث لولا وجود هذه المظلة السياسية الموحدة. ومن هنا، يدرك الشارع الجنوبي بوعيه الفطري أن أي محاولة لإضعاف هذا التمثيل أو استبداله بوجوه لا تملك جذوراً في الأرض، هي في الحقيقة محاولة للعودة إلى عهود التبعية والإقصاء الممنهج.
إن المنجزات العسكرية والسياسية باتت اليوم "سياجًا سياديًا" يمنع أي صفقات مشبوهة قد تُحاك في الغرف المغلقة بعيدًا عن تطلعات أصحاب الحق.
أمانة التمثيل واستحقاقات المرحلة القادمة
تفرض المرحلة الراهنة استحقاقات ثقيلة تتطلب تلاحمًا غير مسبوق خلف القيادة السياسية للمجلس الانتقالي؛ فالمعركة اليوم لم تعد عسكرية فحسب، بل هي معركة إثبات وجود على طاولة المفاوضات الدولية.
إن الرسالة الجنوبية التي تصل أصداؤها إلى القريب والبعيد واضحة وحازمة: التفويض الشعبي "خط أحمر"، وصوت الجماهير هو المرجعية الوحيدة والنهائية.
وفي نهاية المطاف، تظل قضية شعب الجنوب أمانة أخلاقية وقانونية في عهدة هذا التمثيل، الذي يستمد قوته من ثبات الجماهير وإصرارها على انتزاع كامل حقوقها، في واقع لا يحترم إلا الأقوياء والمتمسكين بجذورهم.