الأربعاء-18 فبراير - 06:35 م-مدينة عدن

جنيف لا تصدق دموع الحروب

الأربعاء - 18 فبراير 2026 - الساعة 04:00 م بتوقيت العاصمة عدن

عدن سيتي _متابعات

تحضر جنيف في الذاكرة عاصمة أوروبية للأمم المتحدة والمدينة الأسوأ في مصير المفاوضات بين الكبار ودول الحروب في الجنوب.


ففيها ترك جيمس بيكر يوم 9 يناير/ كانون الثاني 1991 رسالة الإنذار الأخير من بوش الأب على الطاولة في فندق إنتركونتيننتال وأغلق باب التفاهم مع طارق عزيز الذي رفض استلام رسالة الإهانة الوعيد إلى صدام حسين بالانسحاب من الكويت في الخمس دقائق الأخيرة؛ ودخل العراق في سلسلة حروب انتهت بتدميره كما وعد وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر، وكان يوصف بأنه الأكثر اعتدالاً وتفهماً للوضع الملتهب دوماً في الشرق الأوسط.
يشار إلى أن الرسالة غير المقروءة من الجانب العراقي لا تزال ترقد في أحد رفوف قسم المفقودات بالفندق الشهير.
إذ رفض طارق عزيز استلامها وامتنع جيمس بيكر عن إعادتها إلى الحقيبة.
في جنيف تكسرت كل محاولات التقريب بين نظام بشار الأسد والمعارضة بمختلف تلاوينها وفشلت موسكو وواشنطن في تسوية سلمية للحرب الأهلية كلفت الشعب السوري مئات ألوف الضحايا وملايين المهجرين ودمار يحتاج إلى مليارات المليارات لإعادة البناء.
في جنيف وصلت المباحثات الروسية الأمريكية على مدى سنوات، بين رأس الدبلوماسية الروسية سيرغي لافروف ونظيره الأمريكي جون كيري حول الملفات المعقدة، إلى طريق مسدود، مع أن اللقاءات المتكررة في جنيف عززت علاقة الصداقة بين الوزيرين حتى أن لافروف صرح مرة بأنه يقدر عالياً جهود كيري في بلوغ الاتفاق لكن ساكن البيت الأبيض لا يريد. وكان لافروف يتحدث بارتياح عن كيري في الإيجازات الصحفية خارج التسجيل للوفد الصحفي المرافق في جولات جنيف على مدى سنوات البحث المتعثر عن اتفاق بشأن سوريا الممزقة.
في جنيف عقد الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد عدة اجتماعات قمة أبرزها مع الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في يناير/ كانون الثاني 1994 ومارس/ آذار 2000، بهدف تحريك عملية السلام مع إسرائيل. ركزت القمة الأولى على انسحاب إسرائيل من الجولان، وفشلت القمتان بسبب الخلافات حول حدود بحيرة طبريا، وكان هذا آخر لقاء للأسد قبل وفاته.

في يناير/ كانون الثاني 1994 عقدت قمة وصفت بأنها تاريخية بين كلينتون والأسد تهدف لإحياء محادثات السلام بناءً على "وديعة رابين" وأعلن كلينتون تعهد سوريا بعلاقات طبيعية مقابل السلام.
وفي مارس/ آذار 2000 (بيل كلينتون وحافظ الأسد): محاولة أخيرة وفاشلة لحل النزاع السوري الإسرائيلي، وكانت علامات المرض ظهرت على حافظ الأسد، ولم يتم التوصل لاتفاق بسبب الخلافات الحدودية.
وقبل ذلك بسنوات اجتماع مايو/ أيار 1977 (جون كارتر وحافظ الأسد) لمناقشة السلام في الشرق الأوسط، ولم يحقق اختراقات كبيرة.
عكست تلك الاجتماعات أحداثاً مفصلية في دبلوماسية "حافة الهاوية" التي انتهجها حافظ الأسد في المفاوضات السورية-الأمريكية-الإسرائيلية. وقد انتهت جميعها إلى الفشل ولم تنتشل الشرق الأوسط من العربدة الإسرائيلية والدعم الأمريكي غير المحدود.
اليوم يذهب وفد ترامب المختلف عن وفود الرؤساء الأمريكيين السابقين خالياً من الدبلوماسيين معتمداً على براعة تاجري العقارات ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى جنيف، يخوضان مباحثات على جبهتين؛؛؛
إيران وأوكرانيا، وسط توقعات متشائمة بعدم تحقيق تقدم في الملفين.
وإذا كانت الدبلوماسية الأمريكية في إخفاقات جنيف السابقة غلفت الفشل بعبارات براقة؛ فإن التاجرين ويتكوف وكوشنر يتقنان فن نقل التفاصيل بالدقة إلى "المعلم" الذي لا يمكن توقع ردود أفعاله حتى من قبل ضاربي الودع وفاتحي الفنجان.
دونالد ترامب ينقل المفاوضات من عواصم يسهل على الوفود بلوغها إلى العاصمة الأوروبية للأمم المتحدة الأمر الذي يضع عقبات لوجستية أمام الأطراف المعنية مباشرة بحل الأزمات.
الوفد الروسي مثلاً اضطرّ للمرور بأجواء بعيدة استغرق قطّعها تسع ساعات قبل أن تهبط الطائرة في جنيف. بينما تفرض سويسرا "المحايدة" شروطاً قاسية على تأشيرات الوفد الإيراني.

ترامب يسعى لرشوة الأوروبيين المستائين من غطرسته معهم ويتنقل بالمفاوضات بناء على الأهواء.
يسمح بمشاركة ممثلين عن الاتحاد الأوروبي في الملف الأوكراني، ولكن من العسكريين، في إشارة واضحة للقارة العجوز؛ إذا أردتم التدخل فعليكم تحمل نفقات حرب ستطول.
جنيف الغافية على بحيرة ليمان الساحرة لا تصدق دموع الحروب.

سلام مسافر

المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب

متعلقات