الأمن الإقليمي وتطلعات الجنوب: علاقة طردية لا تقبل القفز على الواقع

الثلاثاء - 17 فبراير 2026 - الساعة 07:11 م بتوقيت العاصمة عدن

عدن سيتي | تقرير خاص | فاطمة محمد



​تتصدر حالة الرفض الشعبي الواسعة في المحافظات الجنوبية للمحاولات المتكررة لإعادة تدوير قيادات شمالية في مفاصل القرار السيادي، المشهد السياسي الراهن كمعطى لا يمكن تجاوزه.

​هذا الاصطفاف الشعبي الجامع، الذي يتجاوز كونه احتجاجًا عابرًا، يمثل في جوهره ممانعة وطنية صلبة ضد استنساخ أدوات الماضي، وتأكيدًا على أن استقرار المنطقة مرتبط عضويًا باحترام الإرادة السياسية لشعب الجنوب، وحقه الأصيل في تقرير تمثيله وقيادته بعيدًا عن أي إملاءات فوقية.

تراكمات الذاكرة ومعضلة "التدوير"
إن الموقف الحازم الذي يبديه الشارع الجنوبي اليوم تجاه أسماء بعينها، كالدكتور رشاد العليمي واللواء طاهر علي العقيلي، ليس وليد اللحظة، بل هو نتاج مرير لسنوات من السياسات المركزية التي أفضت إلى أزمات أمنية ومعيشية طاحنة. لذا، فإن أي محاولة لإعادة تمكين هذه الوجوه داخل الجغرافيا الجنوبية تُقرأ شعبيًا باعتبارها "استفزازًا مباشرًا" وتجاهلاً لموازين القوى الجديدة التي تشكلت على الأرض بفضل التضحيات الجسيمة.


الجغرافيا السياسية وتحذيرات الاحتقان
لقد رسمت المحطات التاريخية الصعبة في حضرموت والمهرة والضالع وغيرها، وعيًا جمعيًا يرفض مبدأ "الوصاية" أو فرض قيادات من خارج الإرادة المحلية. إن الإصرار على القفز فوق هذه الحساسيات يفتح الباب أمام موجة جديدة من الاحتقان الشعبي، والتي لن تتوقف آثارها عند الحدود الإدارية للجنوب، بل ستمتد لتلقي بظلالها على أمن واستقرار المنطقة برمتها، نظراً للموقع الجيوسياسي الاستراتيجي الذي يحتله الجنوب العربي على خارطة المصالح الدولية والملاحية.

الاستقرار المستدام: ممر إجباري
إن تحقيق استقرار حقيقي ومستدام في هذه المرحلة الحرجة لا يمر عبر "الترقيع الإداري" أو التغييرات الشكلية في المناصب، بل يتطلب شجاعة سياسية في معالجة جذور الأزمة عبر:
الاعتراف بالخصوصية السياسية للجنوب كشريك أصيل لا يمكن تجاوزه في أي تسوية شاملة.
بناء جسور الثقة المفقودة عبر قرارات تعكس احترامًا فعليًا لتطلعات الشعب، بعيدًا عن حسابات التمكين الحزبي أو الجهوي الضيقة.
تغليب لغة التوافق والشراكة بما يضمن تمثيل الإرادة الشعبية الحقيقية في كافة المستويات القيادية.

تظل الرسالة القادمة من ميادين الجنوب واضحة وجلية: إن أي التواء على الإرادة الشعبية أو محاولة لإعادة إنتاج رموز الصراعات السابقة، هو مقامرة باستقرار المنطقة وزيادة في هشاشة المشهد السياسي.
إن الأمن الإقليمي وتطلعات شعب الجنوب هما كفتان في ميزان واحد؛ لا تستقيم إحداهما دون الأخرى، والخيار الأسلم دومًا هو الرضوخ لمنطق الواقع واحترام إرادة الشعوب.

متعلقات