من غرف باريس إلى رصاص الزنتان: اغتيال الخيار الليبي الأخير
الأربعاء - 04 فبراير 2026 - الساعة 10:55 م بتوقيت العاصمة عدن
تقرير "عدن سيتي" صبري عبيد
يُعدّ اغتيال سيف الإسلام القذافي عمليةً سياسيةً مدروسة، لا حادثًا أمنيًا عشوائيًا. فقد كان سيف الإسلام يخوض حملة رئاسية، ويحظى بتأييد شعبي معتبر، لا سيما في أوساط القبائل الليبية التي رأت فيه فرصةً لاستعادة الاستقرار والسيادة المفقودة منذ عام 2011. ومع مقتله، أُغلِقت نافذة كانت تتيح حسم مستقبل ليبيا عبر صناديق الاقتراع، ليُستبدل المسار السياسي بلغة السلاح.
توقيت الاغتيال يثير تساؤلات عميقة حول الجهة المستفيدة. إذ وقع بعد ستة أيام فقط من اجتماع سري عُقد في باريس بتاريخ 28 يناير 2026، برعاية فرنسية–أمريكية، وضمّ ممثلين عن الشرق الليبي والغرب الليبي،(حفتر و الدبيبة) وناقش ترتيبات لتوحيد مؤسسي يستبعد ما سُمّي بـ«الجهات الفاعلة السابقة»، ويهدف إلى تقاسم النفوذ النفطي والعسكري والمالي. وكان وجود سيف الإسلام عقبة حقيقية أمام هذا الترتيب، بوصفه طرفًا ثالثًا قويًا قادرًا على تقويض أي اتفاق ثنائي بين معسكري الدبيبة وحفتر.
سبق هذا الاجتماعَ تحرّكٌ إقليمي تمثّل في جولة لمسعد بولس، المستشار الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، شملت تونس والجزائر يومي 26 و27 يناير، في مسعى لتنسيق مواقف العواصم الإقليمية مع الترتيبات الباريسية المطروحة لاستقرار ليبيا. وبعد أيام قليلة، وقع اغتيال سيف الإسلام، ما دفع محللين إلى الربط بين الحدثين واعتبار العملية جزءًا من «تطهير سياسي» يهدف إلى تهيئة المشهد لتنفيذ اتفاق دولي مُسبق.
طريقة تنفيذ الاغتيال تعزز فرضية التخطيط المتقن؛ إذ جرى الهجوم في مدينة الزنتان، التي سبق أن احتجزت سيف الإسلام ثم وفّرت له الحماية لاحقًا، مع تعطيلٍ مسبق لكاميرات المراقبة، وتنفيذٍ منسّق من أربعة عناصر، أعقبه انسحاب دون إعلان جهة مسؤولة. وهو ما يتجاوز قدرات الميليشيات المحلية، ويشير إلى تورط جهاز استخباراتي أو تنسيق أمني عالي المستوى.
تتضح المصلحة المشتركة لمعسكري الدبيبة وحفتر في إقصاء سيف الإسلام، بوصفه طرفًا ثالثًا كان قادرًا على تعطيل ترتيبات تقاسم السلطة بينهما. فقد شكّل تهديدًا سياسيًا حقيقيًا، خاصة في ظل تنامي الحنين الشعبي إلى مرحلة الدولة السابقة، حيث ربط قطاع واسع من القبائل الليبية عهد والده بمستويات أعلى من الاستقرار الأمني والاقتصادي. وقدّر محللون فرص فوزه بما يتراوح بين 60 و70 في المئة في حال إجراء انتخابات نزيهة.
يمهّد اغتياله الطريق لإعادة تشكيل ليبيا كنظام ثنائي النفوذ بين حفتر والدبيبة، ويضع القبائل الموالية له في موقع ضعف سياسي واجتماعي، ما يسهل تمرير ترتيبات السيطرة على المؤسسات النفطية والمالية والعسكرية.
إقليميًا، تتكشف أطماع متشابكة لكل من الإمارات وتركيا وروسيا في ليبيا ومنطقة الساحل. فالإمارات تعمل عبر محور استخباري–عسكري يمتد من السودان إلى ليبيا وصولًا إلى الجزائر، وتُتهم بنقل المرتزقة والأسلحة لدعم حفتر ودقلو، وتنفيذ عمليات تخريب وزعزعة استقرار تهدف إلى إعادة رسم خريطة النفوذ بالقوة. ويُعدّ حفتر حليفًا مباشرًا لأبوظبي وموسكو، حيث يعزز موقعه العسكري بتسليح حديث ودعم من الفيلق الإفريقي (فاغنر سابقًا) لترسيخ النفوذ الروسي في شمال أفريقيا.
في المقابل، تدعم تركيا حكومة الوفاق والمجلس الرئاسي، وتستخدم ليبيا سوقًا لتصدير السلاح وموطئ قدم استراتيجيًا في شرق المتوسط، بما يتوافق مع مصالح قطر السياسية والاقتصادية، وسعيهما المشترك للهيمنة على موارد الغاز الليبي.
أما القوى الأوروبية، فتتحرك وفق حسابات المصالح الاقتصادية والاستراتيجية:
إيطاليا تحافظ على نفوذها التاريخي، وتستثمر في النفط والغاز الليبيين، مع دعمٍ نسبي لحكومة الوفاق لتأمين مصالحها الطاقوية والحد من الهجرة غير الشرعية.
فرنسا تركّز على السيطرة على الحقول النفطية ومشاريع إعادة الإعمار، وتعتبر حفتر أداة لضبط المشهد بما يخدم مصالحها.
ألمانيا تسعى إلى فرص استثمارية في قطاعي النفط والغاز، وتعمل على تقليص النفوذ الفرنسي والبريطاني، مع الدفع نحو حلول سياسية أقل تصعيدًا.
بريطانيا دعمت جماعات الإسلام السياسي في مراحل الصراع، وتسعى إلى ترسيخ نفوذ اقتصادي وحماية مصالح شركاتها النفطية، إضافة إلى الاحتفاظ بأموال ليبية مجمدة.
روسيا توازن بين حفتر وحكومة الوفاق، بهدف تأمين عقود إعادة الإعمار، واستثمارات استراتيجية، وتعزيز حضورها العسكري في البحر المتوسط.
الولايات المتحدة تركّز على استعادة السيطرة على السوق النفطي الليبي، وحماية مصالح شركاتها الكبرى، ومنع تمدد النفوذ الروسي، مع الاستفادة من مشاريع إعادة الإعمار وتجارة السلاح.
في هذا السياق، يتضح أن اغتيال سيف الإسلام القذافي لم يكن حادثًا عابرًا، بل حلقة ضمن صراع محلي وإقليمي ودولي معقّد، يهدف إلى تفكيك أي مشروع سياسي بديل، وإضعاف القواعد القبلية الداعمة له، بما يضمن استمرار النفوذ الخارجي عبر ترتيبات ثنائية بين قوى محلية متصارعة، على حساب الاستقرار والسيادة الوطنية الليبية.